سيطرت على جلسة مجلس الوزراء، التي استغرقت وقتاً طويلاً، حالٌ من حبس الأنفاس السياسي والأمني، على إيقاع استحقاقين ضاغطين: التصعيد العسكري الإقليمي المتربص بالجنوب في ظل إرباك مفاوضات تامبا، واللغم الأمني الداخلي المنفجر إثر ملف متفجرات الـ C4 والـ TNT المضبوطة في ضهر البيدر والقصر. وبدت الحكومة محكومةً بمعادلة التهدئة الاضطرارية. ولذلك، أرجأت قرار إحالة الملف إلى المجلس العدلي، واتجهت نحو مخرج سياسي-قانوني يقوم على مناقشة البند باستفاضة وإرجاء البتّ به تحت عنوان انتظار اكتمال التحقيقات القضائية والأمنية. والأبرز في الجلسة المداخلة المركّزة التي قدّمها رئيس الحكومة نوّاف سلام، وتطرّق فيها إلى مسألة السلاح والمتفجّرات، من دون حصر الحديث بمسألة الشحنتين المصادرتين تحديداً، فقال: "إنّ تخزين السلاح أو نقله من خارج الجهات التي لها حصرًا شرعيّة القيام بذلك، تحت أيّ ذريعة كانت، لا يشكّل فقط خروجًا على هذه الثوابت والقوانين النافذة وقرارات مجلس الوزراء، بل يشكّل خطرًا على السلامة العامّة، ويهدّد أمن المواطنين، ويقتضي المتابعة الأمنيّة والملاحقة القضائيّة لإنزال أشدّ العقاب الذي تفرضه القوانين بحقّ المرتكبين". وسبقت الجلسة خلوةٌ بين رئيس الجمهوريّة جوزاف عون ورئيس الحكومة نوّاف سلام، تزامنت مع اتّصالاتٍ سياسيّة مكثّفة قادها رئيس مجلس النوّاب نبيه برّي، بهدف احتواء أزمةٍ حكوميّة كانت تتفاعل على خلفيّة الإحالة إلى المجلس العدليّ. وبحسب المعطيات، تمحور المخرج حول مناقشة الملفّ من دون التصويت على الإحالة، ريثما تُستكمل التحقيقات الأمنيّة والقضائيّة وتتحدّد المسؤوليّات. وتستند المقاربة المطروحة إلى اعتبار أنّ التريّث يتيح استكمال المسار القضائيّ من دون تحميل القرار الحكوميّ أبعادًا سياسيّة إضافيّة، خصوصًا أنّ الإحالة الفوريّة كانت ستضع الوزراء أمام اختبارٍ انقساميّ يصعب احتواء تداعياته. ولذلك، جرى العمل على ضمان عدم الذهاب إلى تصويتٍ مفاجئ، بما ساهم في تثبيت مشاركة وزراء الثنائيّ الشيعيّ في الجلسة. غير أنّ التسوية لم تمنع ظهور اعتراضٍ مضادّ، إذ انسحب وزراء "القوّات اللبنانيّة" احتجاجًا على عدم إحالة الملفّ إلى المجلس العدليّ. وبذلك، تحوّل المخرج الذي جنّب الحكومة مواجهةً مع وزراء الثنائيّ إلى سببٍ لاعتراض الفريق المطالب بحسم الإحالة، ما كشف حدود التفاهم السياسيّ الذي أتاح تأجيل القرار. وتعكس هذه المفارقة طبيعة المأزق الحكوميّ: فالتصويت على الإحالة كان سيهدّد التهدئة مع "حزب الله"، فيما أدّى عدم التصويت إلى اعتراض "القوّات". وفي الحالتين، أصبحت الحكومة أمام معادلةٍ تتجاوز الإجراءات القضائيّة إلى الخلاف السياسيّ بشأن حصريّة السلاح وحدود سلطة الدولة. سلام يوسّع النقاش إلى أصل السلاح وتكتسب مداخلة سلام أهمّيّتها من أنّها نقلت النقاش من مصير شحنةٍ محدّدة إلى المبدأ الذي يحكم امتلاك السلاح ونقله وتخزينه خارج المؤسّسات الشرعيّة. فالرئيس الحكوميّ ربط هذه الممارسات بمخالفة القوانين وقرارات مجلس الوزراء، وبالمخاطر المباشرة على سلامة المواطنين، واضعًا المسؤوليّة الأمنيّة والقضائيّة في صلب الموقف الرسميّ. وبذلك، بدا أنّ تأجيل الإحالة لم يترافق مع تراجعٍ في الموقف الحكوميّ المعلن من السلاح غير الشرعيّ، بل مع فصلٍ بين تثبيت المبدأ السياسيّ والقانونيّ وبين اتّخاذ القرار الإجرائيّ بشأن الملفّ. وهذه المعادلة تحديدًا هي التي أتاحت تجنّب التصويت، وإن أبقت الخلاف قائمًا بشأن الخطوات التنفيذيّة المطلوبة. في المقابل، لا تزال هواجس "حزب الله" حاضرةً حيال إمكان تحوّل الملفّ إلى مسارٍ قضائيّ يطال قيادته أو بنيته التنظيميّة، في توقيتٍ إقليميّ شديد الحساسيّة. ومن هنا، فإنّ إرجاء الإحالة يمنح الأطراف هامشًا إضافيًّا للمناورة، لكنّه لا يحسم الخلاف بشأن الوجهة القضائيّة النهائيّة للقضيّة. تامبا والضغط الدوليّ المتصاعد ولا يمكن فصل التسوية الحكوميّة عن حالة الانكشاف الخارجيّ. فقد انتهى اليوم الثاني من المحادثات العسكريّة اللبنانيّة الإسرائيليّة في تامبا، بولاية فلوريدا الأميركيّة، من دون تحقيق اختراقٍ ملموس، في ظلّ استمرار الخلافات بشأن آليّة التحقّق من تنفيذ الترتيبات الأمنيّة ونزع السلاح وشروط الانسحاب الإسرائيليّ من جنوب لبنان. ويتزامن هذا التعثّر مع تصاعد المخاوف من مواجهةٍ إقليميّة أوسع، على خلفيّة التحضيرات الأميركيّة والإسرائيليّة لاحتمال توجيه ضربةٍ إلى إيران، وما قد يترتّب على ذلك من انعكاساتٍ عسكريّة وأمنيّة على الجبهة اللبنانيّة. وفي موازاة الجمود التفاوضيّ، جاء تقرير الأمين العامّ للأمم المتّحدة أنطونيو غوتيريش بشأن تنفيذ القرار 1559 ليعيد تثبيت المطالب الدوليّة بنزع سلاح الجماعات المسلّحة خارج إطار الدولة. فقد دعا غوتيريش "حزب الله" إلى الامتثال ل