يخرج الرجال إلى شرفة شقة صغيرة، في الطبقة السادسة من مبنى في ضاحية بيروت الجنوبية، يشعلون سجائرهم بعدما أنجزوا المهمة العائلية التي أتوا من أجلها. تنكشف أمامهم نزلة سينما هيلتون في محلة المريجة، وقد اختفت فيها مبان كثيرة بعد الحرب الأخيرة. كان الضيوف قد قرأوا فاتحة ابنهم عباس على الصبية الجميلة حنان، في فسحة صغيرة من الفرح في أيام هموم النزوح من الجنوب. انتهت مهمّة "الحكي" ولم يعد لديهم ما يُحكى، فالموضوع الوحيد الذي يشغل بالهم هو بلدتهم حدّاثا، في قضاء بنت جبيل، التي تبعد حوالي 115 كيلو متراً عنهم، وتغدو أكثر بعداً، مع كل خبر يصل إليهم، عبر مجموعات وسائط التواصل، عن تمدًد الخط الأصفر إليها لابتلاعها. "إسرائيل ما إلها أمان". محطة كلامية لم يعد لها وقعٌ. "هل بقيت بيوت في حداثا؟". يَجمع الأهالي النازحون المشتتون في قرى صور وصيدا وضاحية بيروت المال ليشتروا صوراً جوّية لبلدتهم، ملتقطة بالأقمار الصناعية، محدّثة كل أسبوع. يحدقون طويلاً في شاشات هواتفهم؛ بحثاً عن طريق يقود إلى معالم تتبدد أسبوعاً تلو أسبوع. يختلفون على تحديد منزل هنا وبستان هناك. يعرفون البيوت بأسماء أصحابها وساكنيها. يصعب تحديد عدد البيوت التي لم يدمرها العدو، فالبلدة كلها تبدو خراباً هائلاً من فوق، ولم يوقف العدو استهدافها بالغارات الحربية والقصف المدفعي. "ظننا أن البلدة ستنجو، فهي خارج الخط الأصفر الذي أعلنت عنه إسرائيل، لكن يبدو أنها باتت داخله". هو استنساخ لنموذج مشابه، استخدمه العدو في قطاع غزة. ليس أكثر من مصطلح عسكري لوصف خط الاحتلال داخل الأراضي اللبنانية، على عمق يراوح ما بين أربعة وعشرة كيلو مترات تقريباً من الحدود، ضم في البداية حوالي 55 قرية لبنانية، حين أعلن العدو عنه، بعد دخول ما سُمّي بـ"وقف إطلاق النار" حيز التنفيذ. يتخطى مفهوم الخط الأصفر سيطرة العدو بالنار على هذه القرى، إلى منع عودة أهاليها إليها. وبالفعل، كل شخص اقترب من ذلك الخط استُهدِف بالنار. تلك المساحة، وفقاً للبيان الإسرائيلي، شملت بلدات في القطاعات الغربية والوسطى والشرقية من جنوب لبنان، وبينها: الناقورة، علما الشعب، الضهيرة، طير حرفا، شيحين، مروحين، رامية، عيتا الشعب، بنت جبيل، مارون الراس، يارون، عيترون، ميس الجبل، حولا، العديسة، كفركلا، الطيبة، بليدا، الخيام، وشبعا... وقد كان الموقف الرسمي من الإعلان خجولاً، فلبنان الرسمي منخرط في مفاوضات عقيمة، برعاية واشنطن، مع العدو، الذي لم يعد "عدواً"، بالنسبة إلى الحكومة الحالية وشريحة من الساسة المناوئين للمقاومة، ووسائل الإعلام الخاصة بهم. بعد مرور ثلاث سنوات على اشتعال حرب إسناد غزة في العام 2023، وحوالي سنتين على استعار حرب 2024، والاجتياح الإسرائيلي إثر حرب إسناد إيران في آذار/ مارس 2026، تجاوزت التحولات الديموغرافية للنازحين من القرى المحتلة حدود "النزوح الناتج عن النزاع" بالمعنى التقليدي، لتدخل في نطاق ما يمكن تسميته "إعادة توطين"، و"مناطق عازلة". فالدمار المادي بلغ حداً يجعل العودة إلى البلدات مستحيلة في المدى المنظور، كما أن انقطاع سبل العيش المرتبطة بالأرض قد أزال الأسس الاقتصادية للحياة فيها، بالإضافة إلى أن العدو يتمدد بالنار إلى خارج ذلك الخط، لخلق منطقة عازلة ثانية (رمادية)، يُحظر فيها على المدنيين إعادة إعمار ما دمره. فلنقرّب الصورة أكثر. القرى التي احتلها العدو، وضع لها شريطاً لا يشكل حدوداً متساوية السماكة، وهي موزعة على أربعة أقضية: صور، وبنت جبيل، ومرجعيون، وحاصبيا. ومنْع الاقتراب من الشريط ليس مجرد إجراء أمني ظرفي، بل إعلان عن تحويل هذه القرى إلى "منطقة محرّمة" عسكرياً. كما أن تجانس هذه القرى طائفياً، لكون المقاومة محصورة بالطائفة الشيعية، وفق ترويج العدو وأدواته اللبنانية، هو مجرد شبهة يستخدمها في البروباغاندا. فالقرى متعددة الطوائف. بالفعل استثنى العدو من التدمير القرى المسيحية: دبل، وعين إبل، ورميش مثلاً، لكنه لم يحيّد تلك البلدات محبة في أهلها، الذين يعانون اليوم من الحصار الشامل ومحدودية الحركة في مسارات معقدة، بل لكونها لا تتمتع بأهمية استراتيجية، فالعدو دمّر منازل بلدة القوزح المسيحية بالكامل مثلاً، فضلاً عن تعرض كنيسة مار يوسف التاريخية فيها لأضرار جسيمة، وذلك لكون موقع البلدة استراتيجيّاً، كاشفاً ومُطلّاً، يمنح من يسيطر عليها رؤية واسعة تمتد إلى جبل الكرمل، ومدينة حيفا داخل فلسطين المحتلة. كذلك دمّر العدو القرى السنيّة، من مثل: الضهيرة، ومروحين، ويارين، والبستان... الملاصقة لعرب العرامشة داخل الحدود الفلسطينية. ولم يقتصر التدمير على القصف الجوي، بل نفذ الصهاينة عمليات تفجير وتجريف ممنهجة للمربعات السكنية، وسحقوا البنية التحتية بالكامل، ونسفوا الجوامع والمساجد التاريخية، ودمروا المدارس والمستوصفات الطبية. وأهالي ال