لم تحتج اضطرابات 17 تشرين الأول في فرنسا إلى أكثر من أيام قليلة حتى تنتقل من الشارع إلى قلب السباق الرئاسي لعام 2027، وتتحول من أزمة أمنية إلى عبء سياسي ثقيل على أبرز الشخصيات المحسوبة على عهد الرئيس إيمانويل ماكرون. فإدوار فيليب وغابريال أتال وبرونو ريتايو، الذين يطمح كل منهم إلى شق طريقه نحو الإليزيه، يحاولون اليوم تحميل الحكومة مسؤولية الإخفاق في توقع أعمال العنف والسيطرة عليها، لكن المشكلة أن ماضيهم داخل السلطة يجعل عملية التنصل من الحصيلة أكثر تعقيدًا. وفي الجهة المقابلة، تبدو مارين لوبان، وفق قراءة نشرتها مجلة "ليكسبريس"، أمام فرصة سياسية لتقديم نفسها باعتبارها البديل القادر على إعادة النظام، فيما يواجه منافسوها معضلة مزدوجة: كيف يبتعدون عن إرث السلطة، وكيف ينافسون اليمين المتطرف في قضايا الأمن والهجرة من دون أن يتحولوا إلى مروّجين لخطابه؟ وتكشف الأجواء داخل المعسكر الماكروني حجم القلق. ففي أحد البرامج على قناة LCI، تعرضت المتحدثة السابقة باسم الحكومة بريسكا تيفينو لهجوم حاد، ما دفع وزيرة إلى التعليق بأن ما جرى معها داخل الاستوديو قد يتكرر مع فيليب وأتال في الشارع. وبحسب "ليكسبريس"، ينظر مسؤولون حكوميون إلى صور 17 تشرين الأول بوصفها صورًا قد تلتصق طويلًا بالمرشحين المرتبطين بالسلطة. وقال أحد الوزراء إن الدولة بدت "متفرجة"، معتبرًا أن الجمع بين العجز عن احتواء الأحداث وشعور مثيري الشغب بالإفلات من العقاب يشكل "مزيجًا مدمرًا". وذهب أحد قادة التيار الماكروني إلى أبعد من ذلك، معلنًا التخلي عن فكرة أن يأتي المرشح القادر على الفوز من صفوفهم، وقال: "هذا الأسبوع خسرنا... كل من حكموا مع إيمانويل ماكرون لا حظ لهم". وترى المجلة أن المشاهد التي شهدتها فرنسا تصب سياسيًا في مصلحة لوبان، إذ تمنحها مساحة لتقديم نفسها سدًا في وجه الفوضى، في وقت يدخل فيه خصومها السباق مثقلين بحصيلة سنوات من الحكم. أمام هذا الواقع، بدأ المرشحون المحتملون بمحاولة الابتعاد عن الحكومة عبر انتقاد أدائها. وقال إدوار فيليب، في 18 تشرين الأول، إنه يريد معرفة كيفية تزوّد الحكومة بالمعلومات وكيف عملت أجهزة الاستخبار في التحضير للحدث، معتبرًا أن هناك "إخفاقًا واضحًا في القدرة على التوقع وإدارة هذا الحدث". غابريال أتال تبنى مقاربة مشابهة في اليوم التالي، إلا أن محاولة الرجلين بناء مسافة مع السلطة تصطدم بسجلهما السياسي. ففيليب كان رئيسًا للحكومة خلال أزمة "السترات الصفراء"، فيما بقي أتال أحد أبرز وجوه المشروع الماكروني منذ عام 2017. ويحاول أتال إلقاء جزء من المسؤولية على الانتخابات المبكرة عام 2024، معتبرًا أنها حالت دون تمرير قانون يجعل المخربين يتحملون كلفة الأضرار. إلا أن مسؤولًا حزبيًا مقربًا منه رأى أن الناخبين لا يكترثون كثيرًا لهذه الحجة، مضيفًا أن القطيعة السياسية مع ماكرون "لا تمحو سنوات الرفقة". أما ريتايو، فانتقد حجم تعبئة العناصر الأمنية ومستوى استخدام الإمكانات المتاحة، لكن "ليكسبريس" ذكّرت بأن فرنسا شهدت أعمال عنف أيضًا عقب فوز باريس سان جيرمان بدوري أبطال أوروبا عام 2025، حين كان ريتايو نفسه يدعو إلى تشديد العقوبات بعد حشد أمني واسع. ومع ابتعاد المرشحين الثلاثة عن مراكز القرار، تحولت الشاشات إلى منصة لسيل من المقترحات الأمنية. أتال دعا إلى "حجب مؤقت ومستهدف" لبعض شبكات التواصل الاجتماعي، وإلى الاستعانة بالقوات المسلحة لحماية المباني العامة وتخفيف الضغط عن قوى الأمن. أما ريتايو، فطالب بإعلان حالة الطوارئ وإقرار قانون خاص بالمخربين وفرض عقوبات دنيا، فيما تبنى فيليب قسمًا كبيرًا من هذه المقترحات باستثناء إعلان حالة الطوارئ. ولخّص مسؤول في المعسكر الماكروني المأزق بالقول: "كلما قل تأثيرنا على الواقع، زاد اعتمادنا على الكلام". لكن النقاش لم يتوقف عند حدود الأمن. ريتايو فتح أيضًا ملف الهجرة والاندماج، متحدثًا عن "فشل في استيعاب جزء من أبناء المهاجرين"، وداعيًا إلى سياسة هجرة أكثر تشددًا وإعادة تأسيس المدرسة على قواعد مشتركة. وهو ملف بالغ الحساسية في فرنسا، خصوصًا بعدما أثارت تصريحات سابقة لريتايو خلال اضطرابات عام 2023 اتهامات له بالعنصرية. فيليب تجنب الخوض مباشرة في مسألة الاندماج، بينما تحدث أتال عن "مشكلة حضارية" لدى جزء من الشباب الرافض لفكرة الجماعة. غير أن "ليكسبريس" أشارت إلى أن ربط اضطرابات 17 تشرين الأول بملف الهجرة لا يزال يستند إلى أرضية غير مكتملة، إذ لم تُعرف بعد بصورة دقيقة تركيبة المشاركين في أعمال الشغب من حيث العمر أو الجنسية، فضلًا عن القيود الفرنسية على جمع الإحصاءات الإثنية. وهكذا، لم تعد تداعيات 17 تشرين الأول محصورة في تقييم الأداء الأمني، بل تحولت إلى اختبار مبكر للسباق إلى الإليزيه: مرشحون من قلب السلطة يحاولون الهروب