في ثلاث سنوات، وتحديداً بعد هجوم "طوفان الأقصى"، تغيّرت إسرائيل. التغيير شمل مسائل كثيرة، لعلّ أهمّها في ما يعنينا كدولٍ عربيّة، هو العقيدة الأمنيّة الجديدة الّتي أعلنها رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو قبل خمسة أيّام في ما سُمّيَ بوثيقة "المفهوم الأمني". قبل "الطوفان" كانت عقيدتها الأمنيّة تقضي بمنع الهجمات وحماية الحدود. الآن لم يعد ذلك كافياً لها. العقيدة الأمنيّة والعسكريّة الجديدة تقضي بضرورة شنّ حروب استباقيّة تُفضي إلى توسيع السيطرة على الأرض، وبالتالي إلى إنشاء مناطق دفاعيّة أماميّة، وتعميق الاستيطان. وماذا عن السلام؟ يبدو أنّ المنحى الجديد للتفكير هو التعامل مع السلام كوسيلة مؤقّتة. هذا المفهوم الأمني الجديد جاء ليناقض مبدأ "الأرض مقابل السلام"، الحال التي انطبقت بنوع خاص على مصر والأردن. نأتي إلى لبنان. الدولة تطالب الحزب بحصريّة السلاح بيدها، والحزب يرفض الطلب رفضاً قاطعاً. إذا آمنت إسرائيل فعلاً بحتميّة خلق مناطق أمنيّة في عمق الأراضي العربيّة لتحميها، فإنّ إسرائيل يناسبها أن يرفض الحزب تسليم السلاح. ستقوّي ساعتئذٍ حجّتها باحتلال الأرض. صحيحٌ أنّها في كلّ الأحوال لن تنسحب، أو أقلّه لن تنسحب انسحاباً كاملاً، لكن حجّتها بعدم الإنسحاب ستكون أقوى بكثير أمام المجتمع الدولي فيما لو بقي الحزب رافضاً تسليم السلاح للدولة. كأنّي بإسرائيل تتمنّى في قرارة نفسها أن يستمرّ الحزب برفضه. في هذا الوقت، يزداد الأمر خطورة. إسرائيل ماضية في توسيع تمركزها في الضفّة الغربيّة وسوريا على نحوٍ غير مسبوق. في جنوب لبنان، صحيحٌ أنّ إسرائيل احتلّت في السابق أراضي لبنانيّة أوسع مساحة ممّا تحتلّه الآن، لكن الفرق يتمثّل في أنّ الجنوبيّين بقوا في أرضهم في احتلالَي 1987 1982. البيوت بقيت "واقفة عَ إجريها"، وكذلك الكثير من مقوّمات الحياة. الآن الوضع مختلف. لقد ماتت كلّ نسمة حياة في سبعين قرية جنوبيّة. هل هذا يعني أنّ الحزب يجب أن يحافظ على سلاحه لأنّ لإسرائيل عقيدة تشجّعها على احتلال الأرض؟ جواب حزب الله عن هذا السؤال صعب بسبب الارتباط بإيران من جهة والعقيدة الدينيّة من جهة ثانية. لا شيء يدلّ في الوقت الحاضر على أنّ الحزب مقتنع بوضع بندقيّته بيد الجيش. هو يعلن كلّ يوم وعلى لسان أكثر من قيادي أنّ الجيش لا يستطيع أن يحمي البلد. الحزب لم ينتبه إلى أنّ السلاح، أيّ سلاح، لا يحمي أيّ بلد. هل حمى سلاح إسرائيل المذهل، مُدُنها؟ الّذي يحمي البلدان هو التفاهمات السياسيّة والعلاقات الدوليّة. هكذا حمت سويسرا أراضيها في الحرب العالميّة الثانية وبقيت خارج قبضة ألمانيا النازية عبر سياسة "الحياد المسلح" والاستعداد الدفاعي الصارم. بين تمنٍّ إسرائيلي مكتوم بعدم تسليم الحزب سلاحه للدولة الّلبنانيّة، وبين موقف الحزب المعلن باعتبار المطالبة بحصريّة السلاح بيد الدولة خيانة، لا يبدو الانسحاب الإسرائيلي حاصلاً في المدى المنظور.