في خطوة تحمل رسالة سياسية واضحة إلى واشنطن، قرر البرلمان الأوروبي منح المحكمة الجنائية الدولية في لاهاي وموظفيها جائزة سخاروف لعام 2026، في ظل المواجهة المتصاعدة مع إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، التي فرضت عقوبات غير مسبوقة على المحكمة في محاولة للحد من قدرتها على العمل. وبحسب تقرير للصحافي إيلي ليؤون في صحيفة "معاريف" الإسرائيلية، أعلن البرلمان الأوروبي اليوم الخميس منح المحكمة الجنائية الدولية وموظفيها جائزة سخاروف لعام 2026، وهي أرفع تكريم يمنحه الاتحاد الأوروبي في مجال حقوق الإنسان. وجاء القرار على خلفية تصاعد الخلاف بين أوروبا وإدارة ترامب، بعدما وسعت واشنطن نطاق العقوبات المفروضة على المحكمة، في خطوة اعتُبرت محاولة مباشرة لشلّ جزء من نشاطها ومصادر عملها. وأعلنت رئيسة البرلمان الأوروبي روبرتا ميتسولا قرار منح الجائزة في ستراسبورغ، مشددة على التزام أوروبا بالدفاع عن القانون الدولي والمؤسسات متعددة الأطراف. من جهتها، رحبت رئيسة المحكمة الجنائية الدولية توموكو أكاني بالقرار، معتبرة أن الجائزة تمنح دعمًا مهمًا لاستقلال النظام القضائي الدولي في مرحلة تتزايد فيها الضغوط السياسية. وتحمل الجائزة اسم الفيزيائي والمعارض السوفياتي أندريه سخاروف، وتُمنح سنويًا منذ عام 1988 لشخصيات ومنظمات تعمل في الدفاع عن حقوق الإنسان والديموقراطية وحرية الفكر. وتبلغ قيمة الجائزة 50 ألف يورو، على أن يقام حفل تسليمها في 16 كانون الأول في ستراسبورغ. ويأتي القرار الأوروبي بعد أن أعلنت إدارة ترامب في 9 تشرين الأول توسيع العقوبات الأميركية، بحيث لم تعد تقتصر على قضاة ومدعين في المحكمة، بل طالت المحكمة كمؤسسة. وتهدف هذه العقوبات إلى الحد من قدرة المحكمة على استخدام الخدمات المالية والتقنيات والبنى التحتية الأميركية. ومع ذلك، منحت الإدارة الأميركية فترة انتقالية مدتها 180 يومًا، يسمح خلالها بالاستمرار في بعض الأنشطة الضرورية لتشغيل المحكمة. وكان وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو قد وصف المحكمة بأنها هيئة "متمردة"، محذرًا بالقول: "إما أن تتوقف المحكمة الجنائية الدولية عن تهديداتها، أو سنضع حدًا للمحكمة". وتصاعدت المواجهة بعدما أصدرت المحكمة مذكرتي توقيف بحق رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير الدفاع السابق يوآف غالانت، على خلفية شبهات بارتكاب جرائم حرب في قطاع غزة. وترفض إسرائيل هذه الاتهامات، وتؤكد أن عملياتها العسكرية تجري وفق القانون الدولي. أما الولايات المتحدة، التي ليست عضوًا في المحكمة، فتعترض على صلاحيتها في التحقيق مع مواطنين أميركيين أو مع شخصيات من دول حليفة لواشنطن. وفي المقابل، حذر الاتحاد الأوروبي من أن العقوبات الأميركية تهدد استقلال المحكمة وقدرتها على مواصلة تحقيقاتها. وتبحث بروكسل خطوات لحماية الخدمات المصرفية والتكنولوجية الضرورية لعمل المحكمة، في محاولة لمنع العقوبات من تعطيل بنيتها التشغيلية. ويُنظر إلى منح المحكمة جائزة سخاروف على أنه دعم سياسي أوروبي صريح لها، ورسالة مباشرة إلى واشنطن مفادها أن أوروبا لا تنوي التخلي عن المؤسسة تحت وطأة الضغوط الأميركية. وبذلك، تتحول جائزة حقوقية أوروبية هذا العام إلى جزء من مواجهة سياسية أوسع بين الاتحاد الأوروبي وإدارة ترامب حول مستقبل المحكمة الجنائية الدولية وحدود قدرتها على مواصلة عملها في ظل العقوبات الأميركية.