رسم الخبير المالي ميشال قزح صورة قاتمة لمسار معالجة الأزمة المصرفية والمالية في لبنان، معتبرًا أن التأخير في إقرار القوانين المطلوبة وإعادة هيكلة القطاع المصرفي لا يصب في مصلحة المودعين، ومحذرًا من أن عامل الوقت يتحول تدريجيًا إلى عنصر إضافي في تآكل الودائع، في وقت لا تزال الملفات الأساسية عالقة بين الحكومة ومجلس النواب واللجان النيابية. وفي مقابلة ضمن برنامج "3:15 إقتصاد" عبر شاشة "RED TV"، تناول قزح ملف صلاحيات حاكم مصرف لبنان، معتبرًا أن هذه الصلاحيات تحتاج إلى إعادة تقييم شاملة، بالتوازي مع ضرورة الإسراع في حسم القوانين المرتبطة بالفجوة المالية وإعادة هيكلة المصارف ووضع جدول زمني واضح لإعادة أموال المودعين. وانطلق قزح من مسألة الصلاحيات الممنوحة لحاكم مصرف لبنان، مشيرًا إلى أن الحاكمية مرّت، بحسب تعبيره، بـ"مرحلة ذهبية" خلال عهد إلياس سركيس، حيث مُنحت صلاحيات واسعة انطلاقًا من الثقة بنزاهته وكفاءته. إلا أنه شدد على أن هذا النموذج يحتاج اليوم إلى مراجعة، متسائلًا عن جدوى ترك هذا الحجم من الصلاحيات في يد شخص واحد، وما قد يترتب على إساءة استخدامها من تداعيات واسعة. وقال قزح إن "حاكمية مصرف لبنان يجب أن تعيد دراسة صلاحيات الحاكم من جديد، لأن منح كل هذه الصلاحيات لشخص واحد قد يؤدي، في حال إساءة استخدامها كما حصل مثلًا في عهد رياض سلامة، إلى أزمة كبيرة تطال جميع المودعين في البلد". وفي هذا الإطار، أوضح أن موقفه لا يرتبط بشخص الحاكم الحالي كريم سعيد، قائلًا: "بغضّ النظر عن كون كريم سعيد شخصًا مناسبًا وكفوءًا، قد يأتي من بعده من يسيء استخدام هذه الصلاحيات، لذلك يجب إعادة النظر فيها ووضع ضوابط واضحة لها". وتوقف قزح أيضًا عند العلاقة بين الحكومة ومجلس النواب في معالجة القوانين المالية، متسائلًا: "كيف لمجلس الوزراء، الذي يضم هذا العدد من المستشارين، أن يحيل الأمر إلى مجلس النواب، فيما غالبية أعضائه من المحامين ولديهم أيضًا مستشارون قانونيون؟". ورأى أن الحكومة مطالبة بالتحرك سريعًا وإعادة إرسال القانون إلى مجلس النواب للبت به، بدل إبقاء الملف في دائرة المراوحة. وفي ملف الودائع، اعتبر قزح أن الوقت لا يعمل لمصلحة المودعين، وقال إن "أصحاب المصارف يضغطون على السياسيين لكسب الوقت، وهو عامل بالغ الأهمية، لأن كلما طال أمد الأزمة تآكلت الودائع أكثر فأكثر". وربط استمرار الجمود بين قانون الفجوة المالية وتعثر قانون إعادة هيكلة المصارف، قائلًا إن "قانون الفجوة المالية بات يراوح مكانه بسبب تعثّر قانون إعادة هيكلة المصارف، ولذلك نؤكد أن على الحكومة التحرّك سريعًا لمعالجة هذا الجمود". وذهب قزح أبعد في انتقاد أداء الطبقة السياسية، معتبرًا أن النواب "ليسوا مستعجلين في إعادة أموال المودعين"، ومتهمًا عددًا كبيرًا منهم بالاستفادة من الأزمة وتحويل أموالهم إلى الخارج. كما تناول دور اللوبي اللبناني في الولايات المتحدة، معتبرًا أنه لا يرى مصلحة في إقرار قانون الفجوة المالية وإعادة هيكلة المصارف، لأنه، وفق توصيفه، "لوبي مصرفي" يراهن على حل أزمة السلاح في لبنان. وأوضح أن هذا الرهان يقوم، بحسب رأيه، على اعتقاد بأن معالجة ملف السلاح ستؤدي إلى تدفق أموال جديدة إلى لبنان، بما قد يسمح بإنقاذ المصارف من أزمتها. وفي المقابل، شدد قزح على أن المطلوب لم يعد مزيدًا من النقاشات أو إحالة الملفات من لجنة إلى أخرى، بل خطوات عملية مرتبطة بجدول زمني محدد. وقال: "نحتاج اليوم إلى خطوات جدية تُترجم ضمن جدول زمني واضح لإعادة أموال المودعين، لكن الواقع لا يزال يراوح مكانه، والملفات عالقة في اللجان التي تحوّلت عمليًا إلى مقبرة لكثير من القوانين". وتأتي هذه المواقف في ظل استمرار الجدل حول كيفية توزيع الخسائر المالية، ومستقبل القطاع المصرفي، وآلية استعادة الودائع، بالتوازي مع النقاش بشأن حدود صلاحيات مصرف لبنان ودور السلطتين التنفيذية والتشريعية في إخراج الملفات المالية من دائرة الانتظار. وبين قوانين لم تُحسم، وصلاحيات تحتاج إلى مراجعة، ومودعين ينتظرون منذ سنوات، يضع قزح جوهر الأزمة في مكان واحد: غياب القرار السريع والجدول الزمني الواضح، فيما يستمر الوقت في فرض كلفته على أصحاب الحقوق.