يقف لبنان أمام مرحلة شديدة الحساسية مع اقتراب نهاية عام 2026، في ظل أربعة فراغات متداخلة تهدد بمضاعفة أزماته السياسية والأمنية والاقتصادية، فيما يبرز الجنوب باعتباره الاختبار الأكثر خطورة لقدرة الدولة على الإمساك بالأرض ومنع تجدد المواجهة العسكرية. وفي قراءة نشرها الباحث جو معكرون في صحيفة "لوريان لوجور"، يواجه لبنان مخاطر متزامنة تتصل بالسياسة الخارجية والأمن في الجنوب والواقع الاجتماعي والاقتصادي وآليات اتخاذ القرار، في وقت تشهد المنطقة تحولات متسارعة تتجاوز قدرة بيروت على التحكم بمسارها. ويأتي الفراغ السياسي الخارجي في مقدمة التحديات، مع اقتراب الانتخابات الإسرائيلية في 27 تشرين الأول وانتخابات التجديد النصفي الأميركية في 3 تشرين الثاني، وما قد ينتج عنهما من تبدلات في أولويات واشنطن وتل أبيب. فالمفاوضات العسكرية الجارية في تامبا لم تنتج حتى الآن اختراقاً معلناً، فيما تستمر الخلافات حول الانسحاب الإسرائيلي والترتيبات الأمنية ونزع سلاح حزب الله. ومن شأن أي تعثر إضافي أن يطيل حالة عدم اليقين التي تحكم الوضع على الحدود الجنوبية. أما الفراغ الثاني، والأشد اتصالاً بالأمن اللبناني، فيرتبط بمستقبل قوات اليونيفيل بعد انتهاء مهمتها المقررة في نهاية العام. فالوجود الدولي في الجنوب لا يقتصر على انتشار عسكري، بل يوفر آليات اتصال ومراقبة تساعد على احتواء الحوادث ومنع تحول الاحتكاكات الحدودية إلى مواجهات أوسع. ومع اقتراب نهاية المهمة، تواجه السلطات اللبنانية سؤالاً أساسياً: من سيؤدي هذا الدور إذا لم يتوافر بديل دولي متفق عليه؟ وخلال زيارة وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو إلى بيروت، أكد رئيس الجمهورية جوزاف عون ترحيب لبنان بأي ترتيب يضمن استمرار الحضور الدولي في الجنوب ويمنع نشوء فراغ أمني، خصوصاً بما يحول دون وضع الجيش اللبناني في مواجهة مباشرة مع الجيش الإسرائيلي. ويطرح هذا الموقف تحدياً عملياً يتمثل في طبيعة القوة البديلة وصلاحياتها والجهات التي ستشارك فيها، فضلاً عن علاقتها بالجيش اللبناني وآليات مراقبة الحدود. وتزداد حساسية هذه المسألة مع استمرار الوجود العسكري الإسرائيلي في أجزاء من الجنوب، وتبادل الاتهامات بين لبنان وإسرائيل بشأن تنفيذ الالتزامات الأمنية. أما الفراغ الثالث، فيتمثل في الهشاشة الاقتصادية والاجتماعية، حيث يواجه لبنان ضغوطاً متزايدة على قدرته على تمويل الخدمات الأساسية وإعادة الإعمار ودعم مؤسساته العامة. ويضيف ارتفاع أسعار النفط عالمياً، مع بلوغ خام برنت 112 دولاراً للبرميل اليوم، عاملاً جديداً إلى هذه الضغوط، بما يحمله من مخاطر محتملة على أسعار المحروقات والنقل والكهرباء وكلفة المعيشة. وفي بلد لم يستكمل معالجة أزمته المصرفية ولم يحسم بصورة نهائية مسار استرداد الودائع وإعادة هيكلة القطاع المالي، يمكن لأي صدمة خارجية أن تزيد صعوبة التعافي الاقتصادي. ويبقى الفراغ الرابع مرتبطاً بآليات اتخاذ القرار داخل الدولة، حيث تواجه المؤسسات اللبنانية ملفات تتطلب قرارات متزامنة وسريعة، من الترتيبات الأمنية في الجنوب إلى الملفات القضائية والمالية والإدارية. فالتحدي لا يقتصر على قدرة الحكومة على إصدار القرارات، بل يتصل بوجود خطة تنفيذية واضحة ومؤسسات قادرة على تطبيقها ومتابعة نتائجها. وهنا تتقاطع الفراغات الأربعة عند نقطة واحدة: إذا تعطلت المفاوضات الخارجية، وتأخر الاتفاق على بديل لليونيفيل، واستمرت الضغوط الاقتصادية، وتعثر اتخاذ القرارات الداخلية، فقد يجد لبنان نفسه أمام أزمات متزامنة يصعب التعامل معها بصورة منفصلة. وفي المقابل، يتيح استمرار المسار الدبلوماسي الأميركي والجهود الفرنسية لدعم الجيش فرصة لمعالجة بعض هذه المخاطر، شرط ترجمتها إلى ترتيبات محددة ومواعيد تنفيذ واضحة. والسؤال الذي يواجه لبنان اليوم لا يتعلق فقط بمَن سيملأ الفراغ الذي قد تتركه اليونيفيل، بل بمَن سيتحمل المسؤولية الأمنية والسياسية إذا انتهت مهمتها قبل التوصل إلى صيغة بديلة. فالجنوب يقف أمام استحقاق يتجاوز تبديل قوة دولية بأخرى، إلى تحديد طبيعة السلطة الأمنية على الأرض، ومدى قدرة الدولة اللبنانية على فرض حضورها ومنع تحول المرحلة الانتقالية إلى مصدر جديد للتوتر. وبين مفاوضات تامبا والتحرك الفرنسي والانتخابات الإسرائيلية والأميركية، يبدو أن الأشهر المقبلة ستحدد شكل الترتيبات الأمنية في الجنوب، وربما قدرة لبنان على تجنب فراغ جديد في واحدة من أكثر مناطقه حساسية.