يحمل صندوق الاقتراع في العرف السياسي رمزية ترتبط بسيادة الدولة داخل حدودها وتحقق إرادة الشعب. غير أن وضع هذه الصناديق في أراض محتلة، حتى لو تحت تسمية "مواقع عسكرية"، في كل من قطاع غزة ولبنان وسوريا يحوّل دلالتها الرمزية المعروفة في كل العالم من أداة ديمقراطية إلى أداة لترسيخ الواقع الاستعماري الإسرائيلي وتوسيع السيطرة الإدارية والعسكرية على حساب المطرودين من قراهم ومنازلهم. اليوم، تفتح إسرائيل صناديق اقتراع عسكرية فوق أراض احتلتها حديثاً في جنوب لبنان والعمق السوري وقطاع غزة، وفي منازل كان سكانها حتى فترة قريبة يعمرونها، وحالياً هم إما في عداد القتلى أو الجرحى أو المشردين، لتنقل إجراءات عمليتها الانتخابية مباشرة إلى قلب الحرب التي تشنها على البلاد المجاورة وتستهدف بشكل أساسي المدنيين بحجج أمنية. انتخابات إسرائيلية في زوطر الشرقية أعلن الجيش الإسرائيلي عن نشر المئات من مراكز الاقتراع الثابتة والمتنقلة المخصصة للجنود والضباط في "مختلف القواعد العسكرية القائمة على الأراضي خارج حدودها". وتأتي هذه "الخطوات اللوجستية" كما تسميها تل أبيب وغير المسبوقة لتبعث برسالة سياسية وإستراتيجية صريحة للجميع مفادها أن إسرائيل لا تتعامل مع الاحتلال العسكري كإجراء أمني مؤقت، بل كمؤشر ميداني واضح على نيتها تكريس السيطرة وعدم الخروج من تلك المناطق قريباً. بدأ الجنود الإسرائيليون المتواجدون في الجنوب اللبناني بالاقتراع المبكر عبر مراكز اقتراع أقامها الجيش داخل أحد المنازل في قرية زوطر الشرقية جنوب لبنان. ولا تبتعد الصورة المؤلمة عما يحدث في قطاع غزة حيث جرى إدخال صناديق الاقتراع المتنقلة والثابتة إلى خطوط الانتشار بالقياس على الحالة الفلسطينية، فالتخوف الأكبر من الخطوة هو أن يُشكل إدخال صناديق الاقتراع العسكرية إلى مراكز التمركز الميداني في الجنوب خطوة نحو محاولة تطبيع الاحتلال وجعله أمراً واقعاً. وبالفعل بدأ الجنود الإسرائيليون المتواجدون في الجنوب اللبناني بالاقتراع المبكر عبر مراكز اقتراع أقامها الجيش خصيصاً داخل أحد المنازل في قرية زوطر الشرقية جنوب لبنان. تترافق هذه العملية الانتخابية مع تصعيد عسكري ميداني وتلويح متكرر بتوسيع نطاق المناورات والعمليات البرية نحو مناطق إضافية في النبطية ومحيط نهر الليطاني وصولاً إلى التخوم المتاخمة لبلدة زوطر الشرقية، مما يشي باستراتيجية إسرائيلية تهدف إلى تحويل نقاط التماس العسكرية في جنوب لبنان إلى قواعد إدارية وسياسية ثابتة. ولا تبتعد الصورة في قطاع غزة عن هذا المشهد التوسعي، حيث جرى إدخال صناديق الاقتراع المتنقلة والثابتة إلى خطوط الانتشار ومحاور التمركز العسكري في مختلف مناطق القطاع المحتل. ليس سراً أن إسرائيل تستهدف من خلال إقامة هذه الترتيبات الانتخابية لجنودها وضباطها في قلب المحاور الميدانية فرض حالة من المأسسة الدائمة لوجودها العسكري، وتحويل قواعد التصريح والنقاط الأمنية إلى مراكز سياسية مدمجة في الدولة. المستوطنون في الضفة والجنود في غزة وفي الضفة الغربية المحتلة، تكتمل أركان التحركات الانتخابية الإسرائيلية من خلال تكثيف نشر صناديق الاقتراع في معسكرات الجيش المقيمة وفي داخل المستوطنات المقامة على الأراضي الفلسطينية. وهو ليس بالأمر الجديد، لكنه المثال الأوضح لما يمكن أن تكون عليه الخطط الإسرائيلية في لبنان وسوريا في حال لم يتم تقديم على الأقل اعتراض في المحافل الدولية. تتصاعد الحملات الانتخابية التي تقودها الأحزاب الإسرائيلية في مجدل شمس وبقعاثا ومسعدة وعين قنية في قرى الجولان السوري المحتل في محاولة لفرض المشاركة في انتخابات الكنيست والانتخابات المحلية، ومع هذا فالرفض التاريخي مستمر حتى اليوم إتاحة التصويت للمستوطنين والجنود في هذه القواعد القائمة فوق أراض محتلة يُجسد المسعى الإسرائيلي المتواصل لدمج المستوطنات والمنشآت العسكرية ضمن البيئة السياسية والإدارية لإسرائيل، وإلغاء حدود عام 1967، وتكريس سياسة الأمر الواقع القائمة على الضم التدريجي للأرض الفلسطينية، وتجريد المواطنين الأصليين من حقوقهم الوطنية والتاريخية فوق أراضيهم المحتلة. أما في قطاع غزة، الذي أنهكته حرب الإبادة الإسرائيلية، فتبدو الترتيبات الانتخابية الإسرائيلية وكأنها أكثر استدامة وتجذراً، عبر إقامة بنية تحتية اقتراعية عسكرية كاملة، جرى نشرها بين محاور التمركز وقواعد الانتشار الميداني والقوات المتواجدة في خطوط المواجهة. كما شملت هذه الترتيبات تخصيص صناديق اقتراع عسكرية ثابتة وأكثر من 200 صندوق متنقل تجوب القواعد والمواقع الأمامية للجيش الإسرائيلي بمرافقة مسلحة. وفي العمق السوري وفي الجولان المحتل لتمتد الترتيبات الانتخابية الإسرائيلية لتشمل العمق السوري في التخوم والبلدات التي توغلت فيها القوات الإسرائيلية حديثاً في ريف القنيطر