تُعيد التحولات الجيوسياسية والاقتصادية التي يشهدها الشرق الأوسط رسم خريطة الممرات الاستراتيجية في المنطقة. فالحرب وتزايد المخاطر التي تواجه الملاحة البحرية، ولا سيما في مضيقي هرمز وباب المندب، أعادا إلى الطرق البرية وخطوط الأنابيب والسكك الحديدية أهميتها الاستراتيجية. وفيما تتسابق دول المنطقة للاستثمار في شبكات الربط الجديدة، يبرز سؤال أساسي: هل يستطيع لبنان استعادة موقعه على خريطة التجارة والطاقة الإقليمية، أم سيبقى خارج التحولات التي ستحدد مستقبل اقتصاد المشرق لعقود مقبلة؟ إعادة الاعتبار إلى الممرات البرية تستعد المنطقة لمرحلة جديدة من مشاريع الربط الاقتصادي. فالعراق يسعى إلى تنويع منافذ تصدير النفط، فيما تتقدم المبادرات الرامية إلى تطوير شبكات النقل والربط السككي بين دول الخليج والعراق وتركيا عبر سوريا والأردن. كذلك، تتجدد الطروحات المتعلقة بتطوير شبكات الغاز والربط الإقليمي وصولاً إلى تركيا والأسواق الأوروبية. وعلى الرغم من تفاوت هذه المشاريع في مراحل التخطيط والتمويل والتنفيذ، فإنها تكشف عن اتجاه استراتيجي واضح يتمثل في إعادة الاعتبار إلى الممرات البرية التي تربط الخليج بالمشرق وتركيا وأوروبا. سوريا في قلب التحولات الجديدة تحتل سوريا موقعاً جغرافياً محورياً في هذه المشاريع، إذ تشكل حلقة الوصل الطبيعية بين العراق وشرق المتوسط، وبين شبه الجزيرة العربية وتركيا. ومع التحولات السياسية التي شهدتها، بدأت تتبلور فرص لإعادة إدماجها في شبكات التجارة والطاقة الإقليمية، بعدما أدت سنوات الحرب والعزلة إلى تعطيل دورها الاقتصادي.وإذا نجحت سوريا في استعادة الاستقرار وتطوير بنيتها التحتية وجذب الاستثمارات، فقد تتحول إلى أحد أهم ممرات الطاقة والنقل في المنطقة. ولن تقتصر أهمية هذا التحول على الاقتصاد السوري، بل ستنعكس أيضاً على الدول المجاورة، وفي مقدمتها لبنان. وهنا تبرز المفارقة اللبنانية. ففي الوقت الذي تستعد فيه سوريا لاستعادة موقعها بوصفها ممراً استراتيجياً، لا يزال لبنان أمام تحدي تحديد طبيعة علاقته بها، وكأن بالإمكان فصل مستقبل الاقتصاد اللبناني عن التحولات الجارية على حدوده الشرقية والشمالية. لقد آن الأوان للخروج من هذا المربع، والانتقال إلى انفتاح لبناني كامل على سوريا، يقوم على الاعتراف المتبادل بالسيادة والاستقلال، واحترام الحدود، وبناء المصالح الاقتصادية المشتركة، بعيداً عن إرث العلاقات غير المتكافئة والتدخلات السياسية والأمنية والمخاوف التي يتذرع بها البعض في لبنان. فالانفتاح المطلوب لا يعني العودة إلى تجارب الماضي، بل تأسيس علاقة جديدة بين دولتين مستقلتين تدركان أن التكامل الاقتصادي يشكل فرصة مشتركة للنمو والاستقرار. طرابلس بوابة لبنان إلى الممرات الجديدة يمتلك لبنان عناصر قوة لا يجوز إهمالها. فمرفأ طرابلس وموقعه على البحر المتوسط، ومنشآت النفط القائمة فيه، والمنطقة الاقتصادية الخاصة، تشكل مجتمعة قاعدة يمكن تطويرها لربط لبنان بشبكات الطاقة والتجارة الإقليمية. ويبرز مشروع إعادة إحياء خط النفط العراقي نحو البحر المتوسط مثالاً واضحاً على هذه الفرصة. فقد ارتبط لبنان تاريخياً بشبكة تصدير النفط العراقي عبر خط كركوك–طرابلس، قبل أن يتوقف هذا الدور نتيجة التحولات السياسية والحروب. وفي تموز 2026، وقّعت سوريا والعراق مذكرات تفاهم تتعلق بإعادة تأهيل مسار نقل النفط العراقي باتجاه بانياس، بمشاركة ائتلاف شركات يتولى إعداد الدراسات الفنية والمالية اللازمة للمشروع. وتشكل هذه الخطوة تطوراً مهماً في مساعي تنويع منافذ تصدير النفط العراقي، لكنها لا تعني أن خط الأنابيب أصبح جاهزاً للتشغيل، إذ لا تزال هناك مراحل فنية ومالية وتنفيذية ينبغي استكمالها. وفي موازاة ذلك، تحرك لبنان للاستفادة من هذه التطورات. فقد تناولت زيارة رئيس الحكومة نواف سلام إلى بغداد في 26 تموز 2026، برفقة وفد وزاري ضم وزير الطاقة والمياه جو الصدّي، إمكان استخدام الأراضي اللبنانية ممراً إضافياً لتصدير النفط العراقي إلى البحر المتوسط، والاستفادة من منشآت طرابلس النفطية، إلى جانب دراسة إنشاء فرع جديد لخط الأنابيب باتجاه لبنان وإمكان بناء مصفاة جديدة. ولم تبقَ هذه المساعي في إطار المحادثات وحدها. ففي 10 آب 2026، ترأس سلام اجتماعاً حكومياً خُصص لمتابعة التحضيرات لعبور النفط الخام والمشتقات النفطية العراقية عبر لبنان، مع التركيز في المرحلة الأولى على استخدام منشآت التخزين وإعادة التصدير، واستكمال المتطلبات اللوجستية وتأهيل بعض الطرق وتجهيز المعابر الحدودية وتنظيم حركة الصهاريج. وتكشف هذه الخطوات عن فرصة عملية أمام لبنان لتعزيز دوره في تجارة الطاقة الإقليمية، حتى قبل إنجاز أي خط أنابيب جديد. فمن الممكن أن يشكل التخزين وإعادة التصدير مدخلاً أولياً للتعاون، فيما يبقى ربط طرابلس