ليست حوادث السير في لبنان مجرّد أرقام تُسجَّل في محاضر القوى الأمنية، ولا أخبارًا عابرة تتصدّر الشاشات ثم تُطوى مع مرور الوقت، بل هي نزيف يومي يحصد الأرواح، ويترك خلفه عائلات مكلومة وبيوتًا يخيّم عليها الحزن. وبين طرقات تفتقر إلى شروط السلامة، ودراجات نارية تتزايد أعدادها، وقوانين لا تُطبَّق بالفاعلية المطلوبة، يبقى المواطن في مواجهة خطر قد يحوّل رحلة عادية إلى مأساة لا رجوع عنها. وفي بلد تتراكم فيه الأزمات وتتراجع فيه الخدمات العامة، يبرز السؤال هل بات الموت على الطرقات قدرًا لا مفرّ منه، أم أن غياب التخطيط والرقابة والصيانة والردع جعل من الحوادث المرورية أزمة مفتوحة على مزيد من الضحايا؟ وأين مسؤولية الدولة في حماية الأرواح قبل الاكتفاء بتنظيم المحاضر وملاحقة المخالفين؟ وفي هذا السياق، أكد خبير إدارة السلامة المرورية كامل إبراهيم، في حديث لـ"LebanonOn"، أن ارتفاع حوادث السير في لبنان يعود إلى غياب منظومة متكاملة للسلامة المرورية، مشيرًا إلى أن هذه المنظومة تقوم على توافر طرقات آمنة، وسلوك مروري سليم لدى المواطنين، وتطبيق فعلي للقانون، إضافة إلى مركبات تستوفي شروط السلامة. ولفت إلى أن هذه العناصر لا تتوافر بالشكل المطلوب، ما يساهم في استمرار ارتفاع أعداد الحوادث والضحايا. وأوضح إبراهيم أن الأزمة الاقتصادية والانهيار المالي، إلى جانب ارتفاع أسعار المحروقات، دفعا عددًا كبيرًا من المواطنين إلى استخدام الدراجات النارية كوسيلة نقل بديلة، في ظل الفوضى التي رافقت هذا التحول وعدم تنظيم القطاع بالشكل الكافي. وأشار إلى أن ذلك انعكس ارتفاعًا في نسبة ضحايا حوادث الدراجات النارية، التي كانت تشكّل نحو 22% قبل الأزمة، فيما تجاوزت نسبة القتلى اليوم 30%، والجرحى 37%، وفق الأرقام التي أوردها. ولفت إبراهيم إلى أن المشاة يشكّلون أيضًا فئة أساسية من ضحايا حوادث السير، مؤكدًا ضرورة تأمين معابر آمنة لهم وإنشاء جسور للمشاة عند الحاجة واعتماد تدابير تحدّ من السرعة في المناطق المأهولة، بما يتيح لهم عبور الطرقات والأوتوسترادات من دون تعريض حياتهم للخطر. وأضاف أن غياب تطبيق القانون لسنوات، بالتزامن مع الانهيار المالي وتراجع القيمة الفعلية للغرامات، أضعف منظومة الردع وجعل المخالفات أكثر انتشارًا. وأشار إلى أن القوى الأمنية نظّمت نحو 70 ألف محضر خلال 40 يومًا، بحسب ما أُعلن سابقًا، معتبرًا أن المعيار الأساسي لا يكمن في عدد المحاضر المسطّرة، بل في مدى قدرتها على ردع المخالفين وتغيير سلوكهم، من خلال الحد من السرعة، وفرض استخدام الخوذة، والالتزام بإجراءات السلامة. وشدّد على أن معالجة هذه الأزمة تتطلب خطة متكاملة للسلامة المرورية، لا سيما أن مراكز المعاينة الميكانيكية متوقفة منذ نحو أربع سنوات، ما ينعكس سلبًا على منظومة التأكد من سلامة المركبات. وحذّر من أن التدخلات الجزئية قد تؤدي إلى تراجع الحوادث لفترة محدودة، إلا أن الاتجاه العام سيبقى تصاعديًا ما دامت العناصر الأساسية للسلامة المرورية غائبة، وفي مقدّمها الردع الفعلي وتطبيق القانون. وفي ما يتعلق بدور الدولة، رأى إبراهيم أن المشكلة الأساسية تكمن في غياب القرار والإرادة السياسية على المستوى العام، رغم وجود اهتمام بهذا الملف لدى وزير الداخلية، وفق تعبيره. وأشار إلى أن بعض الخطوات بدأت تُتخذ في وزارة الأشغال العامة والنقل، من خلال تأهيل الطرقات وإضافة تجهيزات مرتبطة بالسلامة المرورية، مثل اللافتات المرورية وتخطيط الطريق، لكنه اعتبر أن هذه الإجراءات، على أهميتها، لا تكفي وحدها لمعالجة الأزمة. وانتقد عدم إعطاء السلامة المرورية الأولوية اللازمة في الموازنات العامة، مشيرًا إلى أن وزارة المالية لا تتعامل مع هذا الملف باعتباره مشكلة تستدعي تخصيص الموارد اللازمة لمعالجتها. واعتبر أن الاستثمار في السلامة المرورية من شأنه الحد من الخسائر البشرية والتخفيف من الأعباء الصحية والاقتصادية التي تتحملها البلاد نتيجة الحوادث. وفي سياق متصل، تطرّق إبراهيم إلى المخاطر الناجمة عن إهمال صيانة الطرقات، ولا سيما الفواصل الحديدية المتضررة أو المنزوعة على الأوتوسترادات، التي قد تشكّل خطرًا على سائقي الدراجات النارية. وأكد أن هذه التجهيزات تحتاج إلى صيانة دورية ومتابعة مستمرة، متسائلًا عن أسباب غياب نظام صيانة فاعل، حتى في بلد صغير كلبنان. وأشار إبراهيم إلى وجود خلل إداري في وزارة الأشغال العامة والنقل، معتبرًا أن هناك حاجة إلى تطوير القدرات الإدارية وتعزيز المسؤولية في متابعة أوضاع الطرقات وتأمين سلامتها. وشدّد على أن معالجة هذه المشكلات يجب أن تكون من صلب عمل المؤسسات الرسمية، لا أن تبقى مرتبطة بمناشدات الجمعيات والجهات المعنية التي تضطر إلى رفع الصوت للمطالبة بإصلاح الخلل. ودعا إلى محاسبة الإدارات التي لا تقوم بواجباتها