في فرنسا، قد تتصدر واجهة متجر محطمة نشرات الأخبار خلال دقائق، بينما يبقى عامل ينتظر إنصافه، أو تلميذ يدرس بلا معلم، أو مريض يبحث عن موعد طبي، خارج الصورة. ولا يجعل ذلك الاعتداء على الممتلكات الذي ترافق مع التظاهرات الأخيرة أقل خطورة، لكنه يكشف اختلالاً في الانتباه العام: الضرر المفاجئ يُرى فوراً، أما التفاوت الذي يتراكم سنوات فيكاد يصبح جزءاً عادياً من المشهد. وتطرح التظاهرات الفرنسية هذا التناقض مجدداً. فالنقاش حول العنف والنهب واستجابة الشرطة مشروع وضروري، لكنه لا يغني عن السؤال المتعلق بأسباب الاحتجاج، ولا عن مساءلة السياسات التي تجعل شرائح من السكان تشعر بأن المؤسسات لا تستمع إليها. ومن هنا، يجب أن ننتبه إلى أن استعادة الهدوء مهمة حكومية، لكنها ليست برنامجاً اجتماعياً. وليست فرنسا مدينة فاضلة بالطبع، فالجمهورية التي تتبنى الحرية والمساواة والأخوة لا تمنح أبناءها بالضرورة فرصاً متساوية، حيث يمكن للأصل الاجتماعي وعنوان السكن واسم العائلة أن تؤثر في الوصول إلى العمل والسكن والتعليم. ويواجه بعض الفرنسيين المنحدرين من أسر مهاجرة تمييزاً أو تشكيكاً في انتمائهم، رغم أن مواطنتهم ليست موضع التباس قانوني. المعضلة نفسها في سوق العمل. القطاعات التي يحتاج إليها المجتمع، من المطاعم والنظافة إلى النقل والرعاية، تضم عاملين يتحملون أعباءً جسدية ونفسية كبيرة مقابل أجور محدودة، وقد يواجه بعضهم عقوداً هشة وصعوبة في تحصيل حقوقهم. وفي المقابل، تتيح الثروة الموروثة والتعليم الخاص وشبكات العلاقات فرصاً لا تتاح للجميع. وتزيد أزمة السكن ونقص الخدمات الصحية والتعليمية في بعض المناطق من الشعور بأن الجهد وحده لم يعد كافياً لضمان مستقبل مستقر. ولا تقتصر الضغوط على المدن الكبرى، ففي الأرياف، يواجه مزارعون أعباء الديون وارتفاع تكاليف الإنتاج والمنافسة التجارية، بينما يشعر شباب بأن العمل والتعليم لم يعودا يضمنان الارتقاء الاجتماعي الذي وُعدت به أجيال سابقة. وتثير هذه التحولات أسئلة حول توزيع الأعباء بين الأجيال والطبقات، وحول قدرة السياسات الاقتصادية على حماية الفئات التي لا تملك نفوذاً سياسياً أو مالياً كافياً للدفاع عن مصالحها. ولا تُختصر هذه المشكلات في الدخل، فحين يضطر العامل إلى معركة طويلة لإثبات حق يفترض أن يحميه القانون، أو يشعر الشاب بأن المدرسة لا تفتح أمام الجميع نفس الأبواب، تتحول المسألة إلى أزمة ثقة سياسية. فالسؤال ليس فقط كم يحصّل الفرد من المال، بل إلى أي حد تعترف المؤسسات بكرامته وتتعامل معه باعتباره شريكاً كامل الحقوق. ومن هنا يمكن فهم اتساع الغضب، من دون افتراض أن جميع المحتجين يشتركون في المطالب أو الوسائل. فالإضراب والمسيرة السلمية يختلفان عن تحطيم المتاجر والنهب. وبعض الاعتداءات انتهازي أو إجرامي، ولا يصح منحه معنى سياسياً جاهزاً. ومع ذلك، فإن استهداف العلامات التجارية الفاخرة يفتح باباً لفهم رمزية الاستهلاك في مجتمع تُعرض فيه الثروة بوصفها معياراً للنجاح. فواجهات الرفاهية متاحة للنظر فقط، وقد تصبح عند بعض الغاضبين رمزاً لفوارق أوسع. لكن تدمير متجر لا يعالج التفاوت، وقد يؤذي موظفين وأصحاب أعمال لا يملكون قرار توزيع الثروة. وهنا يبدو ملحاً الفصل بين ضرورة محاسبة مرتكبي الاعتداءات، واستخدام الاعتداءات حجة لإسقاط شرعية المطالب السلمية. فالانتقال من وصف فعل تخريبي إلى وصف حركة اجتماعية كاملة بأنها مجموعة من "الرعاع" ليس تفسيراً للأزمة، بل اختزال لها. ويتحمل الإعلام جزءاً من مسؤولية هذا الاختزال حين تطغى مشاهد الحرق على ظروف العمل وأوضاع المدارس والمستشفيات. كما يثير تركز ملكية عدد من المؤسسات الإعلامية الكبرى لدى أصحاب ثروات واسعة أسئلة عن التعددية وأولويات التغطية، من دون أن يعني ذلك أن الصحافة الفرنسية تتحدث بصوت واحد. فالمشهد الإعلامي نفسه ساحة خلاف، وليس كتلة متجانسة. والأهم هنا التمييز بين فرنسا الدولة وفرنسا المجتمع، فالسلطات لم تستجب دائماً للاحتجاجات برحابة صدر، ولم تمنح الحقوق الاجتماعية تلقائياً. فكثير من المكاسب جاء عبر صراعات نقابية وحركات سياسية وانتفاضات دفعت الحكومات إلى التفاوض أو التراجع أو التشريع. ومن ثورة 1789 إلى أيار/ مايو 1968، ثم السترات الصفراء واحتجاجات التقاعد، ظلّ الشارع فاعلاً في النقاش حول حدود السلطة وتوزيع الأعباء، مع اختلاف جذري بين هذه المحطات وأهدافها ونتائجها. وهذه التجربة لا تجعل كل احتجاج صائباً، لكنها تبيّن أن الديمقراطية أوسع من صندوق الاقتراع. فالانتخابات تمنح تفويضاً مؤقتاً للحكم، فيما تسمح النقابات والجمعيات والصحافة والقضاء والاحتجاج السلمي بمساءلة أصحاب القرار خلال ممارستهم السلطة. ومع ذلك، فإن تكرار النزول إلى الشارع قد يكشف أيضاً عجز التمثيل السياسي، لا مجرد حيوية المجتمع. فالاختبا