على بُعد نحو 8 آلاف كيلومتر من بيروت ودمشق، تقاطعت طريقا وزيرين جارين، حيث التقى وزير الدولة اللّبنانيّ لشؤون التكنولوجيا والذكاء الاصطناعيّ كمال شحادة نظيرَه السّوريّ، وزير الاتصالات وتقانة المعلومات عبد السّلام هيكل، في سيول، وذلك بحضور سفير لبنان في كوريا وائل هاشم. جاء هذا اللقاء على هامش قمّةٍ نظّمها البنك الدوليّ مع الحكومة الكوريّة بين 19 و22 تشرين الأوّل، عرض فيه هيكل، جهود بلاده لجذب الاستثمارات الأجنبيّة. لماذا سيول تحديدًا؟ لأنّ البلدين يبحثان هناك عن خريطة طريقٍ إلى الدولة الرقميّة. فقد زار شحادة "الوكالة الكوريّة للبيانات" (K-DATA) والتقى رئيسها يانغ جاي-سو، فيما بحث هيكل مع نائب رئيس الوزراء الكوريّ باي كيونغ-هون التعاون في البنية التحتيّة الرقميّة، ثمّ اجتمع بـ"الوكالة الكوريّة لمجتمع المعلومات "(NIA)، وهي الوكالة الّتي قرّرت سيول إلحاق K-DATA بها. تمضي دمشق في رهانٍ واضح: أن يكون الذكاء الاصطناعي جزءًا من التعافي، لا ترفًا يأتي بعده. ومن ثمار هذا الرهان شراكةُ "سيريتل" مع شركة "إيكسبلين"، الّتي أطلقت مساعدًا رقميًّا بالعربيّة اسمه "بيان"، موجّهًا إلى أكثر من 12 مليون مشترك. غير أنّ الحرب تركت إرثًا ثقيلًا، فلا يزال 64% من السوريّين خارج الشبكة، في بلدٍ نصفُ سكّانه دون الثالثة والعشرين، بحسب نادية فرّا من "المجلس الأطلسيّ". لكن يبقى تقنين الكهرباء العقبةَ الأولى أمام مراكز البيانات، وفق ورقةٍ أعدها "تيّار المستقبل السوريّ". أمّا الكفاءات، فشتّتتها سنوات الهجرة، ولا يزال تصدير بعض التقنيّات الأميركيّة رهن التراخيص. في شباط المنصرم، عطّلت هجماتٌ سيبرانيّة نحو 75% من خدمة الإنترنت في سوريا. أما تشريعيًّا، فقد ورثت المرحلة الجديدة قانونًا من العهد السابق حول حماية البيانات الشخصيّة. هذا فيما تبحث وزارة الاتصالات مع مجلس الشعب إصدار تشريعاتٍ جديدة لحماية البيانات وحقوق المستخدمين. أمّا في بيروت، فالمشكلة ليست في الطموح. يتحدّث شحادة عن "جمهوريّة رقميّة"، وعن 4 مليارات دولار يمكن أن يضيفها القطاع إلى الناتج المحليّ خلال 5 سنوات. لكنّ الوزارة التي يُفترض أن تقود هذا التحوّل لم تولد قانونيًّا بعد، فيما يبقى المواطن رهينة "المعقّب" والتنقّل بين الإدارات، وهي أعباءٌ يقول شحادة إنّ الرقمنة وُجدت لإزالتها. مشروع قانون إنشاء هذه الوزارة، الذي أحالته الحكومة إلى البرلمان بالمرسوم 1286 في أيلول 2025، لا يزال عالقًا بين الصلاحيّات والمحاصصة. يقترح مشروع القانون "مركز صلاحيّات" أكثر منه إنشاء وزارةً متخصّصة، ويجمع وضع السياسات والتنفيذ والتنظيم في يدٍ واحدة. ويرى الخبير في الاتصالات في "المفكّرة القانونيّة"، وسيم منصور، أنّ المشروع لا ينشئ وزارةً بمهامّ محدّدة، بل "مركز صلاحيّات" يجمع في يدٍ واحدة ما يُفترض أن يتوزّع على جهاتٍ عدّة: رسم السياسات، وتنفيذ المشاريع، وتنظيم القطاع. وحين تجتمع هذه الأدوار في يد واحدة، تضيع المساءلة. ويسأل: في حال تعثّر مشروعٌ أو وقع خرقٌ سيبرانيّ، من يُحاسَب؟ ويضيف منصور أن المادّة الرابعة من مشروع القانون تعدّد مهامّ الوزارة على سبيل المثال لا الحصر، هذا فيما صلاحيّاتها تبقى قابلةً للتمدّد، فتتداخل مع جهاتٍ قائمة أصلًا، كوزارتَي الاتصالات والتنمية الإداريّة. وتلاحظ منظّمة "سمكس" أنّ نصّ القانون يعد بحماية البيانات الشخصيّة من دون إطارٍ قانونيّ أو هيئةٍ مستقلّة تضمنها. في المقابل، يذكّر شحادة بأنّ البيان الوزاريّ نصّ على إنشاء الوزارة، وهناك سوابق مثل استحداث وزارتَي المهجّرين عام 1993 والصناعة عام 1997. ثمّ تأتي التجاذبات. فوزير التنمية الإداريّة فادي مكّي تولّى، بتفويضٍ رئاسيّ، التفاوض مع البنك الدوليّ على مشروع التحوّل الرقميّ البالغ 150 مليون دولار، من دون التنسيق المطلوب مع الوزراء المعنيّين، كما قال شحادة لـ"المدن". وتدور خلافاتٌ طائفيّة على منصب المدير العامّ للوزارة العتيدة. لسيول حساباتها أيضًا، ولبيروت فيها موقعٌ خاصّ. فسفيرها في لبنان هو سفيرها لدى دمشق، التي أقامت معها علاقاتٍ في نيسان 2025، في خطوةٍ قرأها محلّلون سحبًا للبساط من تحت بيونغ يانغ، حليفة النظام السابق. وفي الجنوب، تطوي وحدة "دونغميونغ" الكوريّة، المنتشرة منذ 2007 ضمن "اليونيفيل"، صفحتها، بعدما شكّلت في تموز آخر وحداتها مع اقتراب نهاية ولاية القوّة الدوليّة. فهل يصبح التعاون الرقميّ عنوان المرحلة المقبلة؟ اقتصاديًّا، الحساب أوضح. ففي حزيران، تعهّدت سيول دعم شركاتها في إعادة إعمار الشرق الأوسط، ومنها البنية التحتيّة الرقميّة. وتربط دراسةٌ نشرها مركز سيول التابع لبرنامج الأمم المتّحدة الإنمائيّ كلّ زيادةٍ بنسبة 1% في المساعدات الكوريّة للبنية الرقميّة العامّة بارتفاع الصادرات الكوريّة إلى البلد المستفيد بنحو 0.44%