في ظل استمرار تآكل القدرة الشرائية للموظفين والمتقاعدين، عاد ملف الرواتب في القطاع العام إلى الواجهة، مع تصعيد "اللقاء الوطني للعاملين في القطاع العام" لهجته في مواجهة سياسات التقشف، ورفضه ما وصفه بمحاولة حماية الاستقرار النقدي على حساب الحقوق المعيشية والاجتماعية. وأعلن اللقاء، في بيان، رفضه استمرار اعتماد التقشف وضبط الإنفاق على حساب الحقوق الاجتماعية، معتبراً أن العاملين والمتقاعدين ما زالوا يتحملون كلفة سنوات من الاختلالات المالية والنقدية والسياسات الاقتصادية التي لم تؤمّن، بحسب وصفه، الحماية المعيشية أو تؤسس لاقتصاد منتج وعادل. ورأى أن تثبيت سعر الصرف، على أهميته، لا يكفي لاعتباره مؤشراً إلى التعافي الاقتصادي إذا لم ينعكس تحسناً فعلياً في الأجور والقدرة الشرائية والخدمات العامة. وشدد على أنه لا يجوز تحويل الاستقرار النقدي إلى ذريعة لتجميد الرواتب وتأجيل الحقوق، في وقت ترتفع فيه كلفة الغذاء والسكن والنقل والتعليم والاستشفاء. وأضاف أن استمرار سياسات التقشف من دون معالجة مكامن الهدر والتهرب الضريبي والاختلالات البنيوية، ومن دون تحفيز الإنتاج وتوزيع الأعباء بعدالة، يُبقي الموظفين والمتقاعدين في مواجهة مباشرة مع تداعيات الأزمة، ويضعف الإدارة العامة ودورها الاجتماعي والاقتصادي. وأكد اللقاء أن تصحيح الرواتب والمعاشات التقاعدية "ليس منّة من الدولة، بل حق اجتماعي واقتصادي"، وأن الاستقرار النقدي لا يكتمل من دون استقرار معيشة العاملين والمتقاعدين. وطالب بإقرار خطة زمنية لتصحيح الرواتب والمعاشات التقاعدية تستند إلى دراسة فعلية لكلفة المعيشة، وإعادة بناء القدرة الشرائية التي فُقدت خلال السنوات الماضية. كما دعا إلى اعتماد آلية دورية لمراجعة الأجور والتقديمات وفق مؤشرات واضحة للتضخم وارتفاع الأسعار، بما يمنع التآكل المتكرر في قيمة الرواتب. وشملت المطالب أيضاً إعادة ترتيب أولويات الإنفاق العام، ومكافحة الهدر والتهرب الضريبي، وتعزيز تحصيل الإيرادات المستحقة وتحقيق العدالة الضريبية بدلاً من تحميل الموظفين والمتقاعدين كلفة الأزمة. وطالب اللقاء بكشف حقيقة الموارد المالية المتاحة للدولة والودائع العامة والالتزامات المقابلة لها، وتحديد إمكان استخدام الإيرادات الإضافية والوفورات الفعلية قانوناً في تمويل تصحيح الرواتب والتقديمات. كما دعا إلى تعزيز التقديمات الصحية والاستشفائية والاجتماعية والتعليمية، وإقرار حلول مستدامة لكلفة النقل، على ألا تكون هذه التقديمات بديلاً من تصحيح الأجور. وطالب أيضاً بإطلاق سياسة اقتصادية إنتاجية تدعم الزراعة والصناعة والمؤسسات الصغيرة والمتوسطة، وتوسّع فرص العمل والقاعدة الضريبية، وتؤمّن مصادر تمويل مستدامة للرواتب والخدمات العامة. وشدد اللقاء على ضرورة إشراك ممثلي العاملين والمتقاعدين في وضع خطة التصحيح ومراقبتها، وإعلان كلفتها ومصادر تمويلها ومراحل تنفيذها، بما يضمن الشفافية والمحاسبة والانتقال من الوعود إلى خطوات ملموسة. وأكد أن معالجة الأزمة لا تكون عبر زيادة شكلية سرعان ما تفقد قيمتها، ولا من خلال مساعدات موقتة تُستخدم بديلاً من الحقوق، بل بسياسة أجور عادلة ومستدامة ترتبط بكلفة المعيشة وتترافق مع إصلاح مالي واقتصادي فعلي. وختم بالتشديد على أن "الموظف ليس عبئاً على المالية العامة، والمتقاعد ليس ضحية يجوز تركها لمصيرها"، داعياً إلى الانتقال من سياسة تضع تثبيت سعر الصرف في مقدمة الأولويات، إلى سياسة تجعل القدرة الشرائية والعدالة الاجتماعية وجودة الخدمات العامة من المعايير الأساسية لقياس نجاح الاقتصاد.