لماذا تبدو مصر مترددة في الموافقة على قرار الرئيس عبد الفتاح السيسي إرسال قوات مصرية للدفاع عن السعودية في حربها باليمن ضد الحوثيين المدعومين من إيران؟ لماذا طالت مناقشات البرلمان المصري واستطالت، دون أن يصدر قرار نهائي من البرلمان بالموافقة بأغلبية الثلثين على إرسال قوات مصرية إلى السعودية للدفاع عن أراضيها، في مواجهة حرب يشنها الحوثيون الذين تدعمهم إيران؟ لماذا جرى تمديد مناقشات البرلمان بشأن إرسال القوات ليوم واحد، ثم تمديد المهلة مجدداً حتى السادس والعشرين من تشرين الأول/ أكتوبر الجاري؟ ولماذا السادس والعشرين بالذات؟! هل لهذا الموعد علاقة بالانتخابات الإسرائيلية المقرر إجراؤها في السابع والعشرين، أي في اليوم التالي لتصويت البرلمان المصري؟ أستطيع أن أرى رابطاً ما بين موعد تصويت البرلمان المصري، وبين موعد انتخابات حاسمة في إسرائيل سوف تقرر مصير بنيامين نتنياهو، فموافقة البرلمان المصري على إرسال قوات مصرية إلى السعودية، قبل يوم واحد من الانتخابات الإسرائيلية، لا تصب في مصلحة نتنياهو الذي لوّح بإمكانية الذهاب بمفرده إلى الحرب مجدداً ضد إيران. ثم إن تمديد مهلة تصويت البرلمان المصري حتى 26 أكتوبر، يمنح مهلة، تحت النار، للراغبين في نزع فتيل الحرب، بعدما أنتج القرار المصري بالدفاع عن السعودية ضد هجمات الحوثيين، وضعاً جديداً دفع الحوثيين والإيرانيين إلى الإعلان بوضوح عن استبعاد أي إمكانية للصدام مع مصر. ورقة مصرية أخرى ألقى بها الدكتور أحمد الطيب، شيخ الجامع الأزهر، بكل ما يمثله الأزهر كرمز للوسطية والاعتدال، حين دعا إلى الوقف الفوري والشامل "لكل أعمال الحرب والقتال والتدمير والتخريب التي تستنزف مقدرات الشعوب وتزهق أرواح الأبرياء"، ودعا "انطلاقاً من مسؤولية الأزهر الشريف التاريخية والشرعية تجاه قضايا الأمتين العربية والإسلامية"، إلى تشكيل لجنة وساطة تضم الحكماء والعقلاء من رموز الأمتين لوضع نهاية لهذا الاقتتال. ورقة مصرية ثالثة، ألقى بها ممثلو المعارضة المصرية في مجلس النواب المصري أثناء مناقشة طلب الرئيس المصري بالموافقة على إرسال القوات المصرية للدفاع عن السعودية، عبّر خلالها بيان للحزب المصري الديمقراطي الاجتماعي المعارض (12 مقعداً)، عن تحفظات معتبرة على قرار إرسال قوات مصرية الى السعودية، مشيراً إلى تفهمّه للظرف الإقليمي والاعتبارات الاستراتيجية التي وصفها بأنها بالغة الأهمية وبعيدة الأثر، وهو ما يستوجب أن تكون هناك معلومات كافية وموازنة دقيقة بين المصالح والمخاطر، بما يشمل مقتضيات التضامن العربي، واعتبارات الأمن القومي، وحماية أرواح أبناء الوطن، والتبعات السياسية والعسكرية والاقتصادية لأي انخراط في صراع إقليمي. وأضاف بيان الحزب -الذي أعلن أنه سوف يمتنع عن التصويت- أن "تضامننا مع المملكة العربية السعودية وسائر الأشقاء العرب ثابت، لكننا نؤمن بأن حماية الأمن القومي المصري تقتضي وضوح الأهداف، وتحديد طبيعة المهام، وتقدير التكاليف، وضمان ألا تتحول المشاركة العسكرية إلى التزام مفتوح في صراع تتجاوز تداعياته حدود أطرافه المباشرين". رحلة القرار المصري للفوز بموافقة مجلس النواب المصري، التي لم يقدّر أحد أنها سوف تتمدد وتتمطى طول هذا الوقت، لا تعكس تردداً مصرياً في تبني قرار الدفاع عن السعودية، لكنها ربما تعمدت الاستهلاك الشرعي للوقت من أجل إنجاز مهمتين عاجلتين، بحسب ظني، أولى تلك المهام هي استكمال الحشد العسكري للدفاع عن السعودية، ورفع جهوزيته، أما ثاني المهام وأهمها على الإطلاق، فهي تأهيل المشهد الإقليمي لتلقي وتنفيذ خطط للتهدئة ووقف إطلاق النار والبدء بمفاوضات يمنية-يمنية، وأخرى يمنية سعودية برعاية الأزهر والجامعة العربية ومجلس التعاون الخليجي. قرار التهدئة أو خفض التصعيد، من شأنه تهيئة الأجواء لتجد مبادرة الأزهر الشريف بيئة مؤهلة لمفاوضات يمكنها إن نجحت، أن تفسد خطط ترامب-نتنياهو، لفرض إسرائيل كلاعب رئيسي في ملف الأمن في الخليج. نجاح البرلمان المصري في كسب الوقت، حتى يتيسر تأهيل الملف اليمني لمعالجات السياسة بعيداً عن معادلات الحرب، قد يمنح دول الخليج العربية فرصة لا تتكرر لمراجعة خطايا التجربة الخليجية وبحث سبل استيعاب اليمن ضمن كونفيدرالية خليجية، لا مكان فيها لا للطبقية ولا للاستعلاء.