من المقرر أن تجري الانتخابات الإسرائيلية العامة يوم الثلاثاء المقبل، في ظل تخوفات داخلية من عدم إجرائها إما لأسباب داخلية أو خارجية. فالاتهامات ترددت مراراً وعلى لسان عدد من زعماء المعارضة، بأن نتنياهو ينوي إدخال إسرائيل في حرب قبيل يوم الانتخابات بهدف تأجيلها. كما أن نتنياهو وجّه اتهامات لإيران وقوى أخرى بأنها تنوي تخريب الانتخابات عبر شن هجمات عدائية. وكان رئيس أركان الجيش الإسرائيلي الجنرال إيال زامير قد رفض، وفق منشورات إسرائيلية وأميركية، خططاً للهجوم على إيران خشية عرقلة الانتخابات. واكتفى الجيش بإعلان حالة التأهب القصوى في كل الجبهات وإلغاء الإجازات في كل قطاعات الجيش، كنوع من الاستعداد للأسوأ من جهة وكتحذير للإيرانيين من جهة أخرى مع بدء اقتراع الجنود. وعلى الرغم من شدة الحديث عن احتمالات عرقلة الانتخابات، فإن التقديرات، وفق بورصة التوقعات، تستبعد حدوث ذلك، وترى أن الاهتمام ينبغي أن ينصب على يوم الانتخابات بما يحمله من خطر إثر ظهور النتائج. ولا يأخذ أغلب العقلاء في إسرائيل باستطلاعات الرأي التي سبق ووصفها شمعون بيريز بأنها كالعطر تصلح للتزين ولا تصلح للأكل. ويلاحظ كثيرون أن الاستطلاعات تتحدث بشكل جوهري عن ما يشبه التعادل بين معسكري نتنياهو وخصومه. ولكن ومع اقتراب يوم الانتخابات، ازداد التشكيك بوجود معسكرين متصارعين وبدا الأمر أقرب إلى صراع يختلط فيه الحابل بالنابل. يتهم نتنياهو ومعسكره كل من يخالفه ويعترض عليه بأنه من اليسار. ويستند في ذلك إلى واقع أن الإسرائيليين في عقدهم الثامن، وخلافا لبداية الدولة العبرية، يرون أن الشر المطلق يكمن في اليسار، لذلك، يبتعدون عنه. لذلك، فإن من يخالف نتنياهو يصمغ نفسه إما كيمين قومي أو كحزب وسط ويتنصل من أي بعد يساري أو تقارب مع العرب. وأظهر تحليل نشرته صحيفة "كالكليست" الاقتصادية أن 37% من ناخبي المعارضة يصنفون نفسهم بأنهم من اليمين، مقابل 31% يعتبرون أنفسهم وسطاً أو يساراً. ويحاول معارضو نتنياهو الارتكاز إلى رفع نسبة التصويت لضمان هزيمة ائتلاف نتنياهو، لذلك، يشيعون أن هذه انتخابات مصيرية يتقرر فيها مستقبل إسرائيل أو فنائها. وهي الحجة نفسها التي يقول بها أيضاً قادة ائتلاف نتنياهو. ويأمل أنصار معسكر التغيير برفع نسبة التصويت إلى أكثر من 70 في المئة. وهناك استطلاعات تظهر أن مؤيدي معسكر التغيير سيشاركون هذه المرة بنسبة تصويت تزيد عن 80 في المئة. وإذا أخذنا بالحسبان حقيقة أن أنصار اليمين ينتشرون بشكل واسع أيضاً في معسكر التغيير، حيث أن قادة مثل أفيغدور ليبرمان ونفتالي بينت لا يقلون يمينية عن نتنياهو وأنصاره، فإن رفع نسبة التصويت بين أنصار هذا المعسكر ليست في صالح نتنياهو. وتشير أغلب استطلاعات الرأي تقريباً، إلى أن معسكر نتنياهو ليس مؤهلاً لتشكيل الحكومة، وأن فرص معسكر التغيير أكبر لكن الكثير يعتمد على كتلة الأحزاب العربية. فحصول أي من المعسكرين على أكثر من 50 مقعداً وأقل من 60 لا يؤهله لتشكيل الحكومة إلا بواحد من خيارين: الاستناد إلى الأحزاب العربية أو تحقيق اختراق جوهري في المعسكر المقابل. ونظراً إلى أن الانتخابات تدور جوهرياً حول بقاء أو غياب نتنياهو، فإن فرص اختراق معسكر التغيير لمعسكر نتنياهو أكبر. لكن هذ الاختراق لا يضمن استقرار الوضع الداخلي وربما يشكل حافزاً لاحقاً لتفجيره. وقد صرح زعيم "إسرائيل بيتنا" أفيغدور ليبرمان، وهو من أشد المعارضين لنتنياهو، أنه ليس هناك معسكر مناهض لنتنياهو. وعلى الرغم من أنه سبق ونسق مع زعيمي "يشار" غادي آيزنكوت و"معاً" نفتالي بينت، إلا أنه وكطامح لرئاسة الحكومة يتحدث عن معسكر جديد. وحسب خطة أعلنها فإنه لا ينظر إلى تشكيل الحكومة المقبلة وإنما إلى خطوة جوهرية تسبقها. وتتمثل الخطة في المسارعة فور ظهور النتائج إلى ترتيب اسقاط رئيس الكنيست الليكودي وإقرار "قانون الاتهام" الذي يمنع الرئيس الإسرائيلي من تكليف نتنياهو بتشكيل الحكومة بسبب لوائح الاتهام الموجهة ضده. ويؤمن ليبرمان أن خطوة كهذه تقرّبه من التحالف أصلاً مع من يريدون تغيير "الليكود" وتوحيد اليمين العلماني. ويعتقد أنه الأصلح لقيادة حكومة كهذه. وشهدت الأيام الأخيرة انتقال العديد من القامات الليكودية إلى تأييده مثل الوزير السابق ورئيس مجلس الأمن القومي في عهد نتنياهو، تساحي هنغبي، وجلعاد ابن أرييل شارون. وسبق ونُشر أن الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ يعمل على بلورة تصور لكسر التعادل القائم عبر تشكيل حلقة وصل بين الليكود وحزب آيزنكوت، والدفع نحو حكومة وحدة وطنية. ويأمل هرتسوغ أن يقود ذلك إلى منع استمرار تفاقم الاستقطاب والصراع بين معسكري اليمين القومي واليمين الفاشي وبالتالي إعادة إسرائيل إلى سكة "الديمقراطية اليهودية". وعلى الرغم من تعاظم الانتقادات والاتهامات لآيزنكوت من داخل معسكره بأنه يسعى إلى ذلك،