ليس الكثير منّا يعرف ماذا تعني كلمة "الجوّرعة". نحن، قرى أهل جبل عامل، أكثر من يستخدم هذه الكلمة في اللغة المحكية. وأكثر من يفهم ويدرك محتواها هم مزارعو التبغ والقمح وقاطفو موسم الزيتون. "الجوّرعة" كلمة تراثية جنوبية، وتستخدم أيضًا في الكثير من المناطق اللبنانية، وفي فلسطين والأردن. هي في صلب عادات وتقاليد الفلاح والمزارع في آخر يوم من زراعة موسم التبغ (الدخان)، أو ورشة قطاف الزيتون. في هذا اليوم الأخير من العمل والكد في نهاية المواسم، يجمع صاحب الورشة أو الأرض كل العاملين على "الجوّرعة"، ويقدم لهم ما طاب ولذّ من أكل وشراب وحلويات، في حفلة وداع الموسم. وتكون هذه "الحفلة" في الحقل أو الأرض التي أنهوا زراعتها، أو تحت ظل أشجار الزيتون التي أنهوا قطافها. تخطر هذه الكلمة في بالي منذ مدّة، ولا سيما حين بدأت المؤشرات تدلّ على أن هناك من يريد فتح حرب شاملة كتلك التي حصلت في حرب الـ 24 وحرب الـ 26. حرب شاملة لا تشبه "حرب القطارة" التي نعيشها ونشهدها منذ فترة، أي ما حصل في واقعة تلة علي الطاهر، أو ما يحصل في بلدة المنصوري وجبال إقليم التفاح، التي تتعرض لغارات يومية من الاحتلال الإسرائيلي، التي تطال الجنوب وجزءًا من البقاع. على عكس ذلك، ما يُسرَّب في إعلام العدو عن الاستعدادات للحرب، وما يصرّح به قادة إسرائيل، يعزز فكرة أن هناك حربًا قادمة، لربما لن تشبه حرب الـ 24 ولا الـ 26. ولا نعرف إن كانت ستسمى حرب الـ 27. ولا نستطيع أيضًا تكهّن الخطط التي يعدّها العدو حول مدى شدّة هذه الحرب، وما إذا كانت أكثر أو أقل شراسة وحسمًا من سابقاتها. لقد عودتنا إسرائيل في الحرب الحالية المستمرة منذ سنة 2023 على المفاجأة وعدم توقع ما تفكّر به، ولذلك لن نتفاجأ بعد اليوم. كيف سيكون السيناريو المقبل؟ هل يكون أكثر تدميرًا أو أكثر دموية؟ أم سيكون أكثر إيلامًا لحزب الله حصراً من خلال ضرب ما تبقى من قوته وترسانته، في محاولة للقضاء على آخر دفاعاته من مواقع وحضور عسكري وقيادات، حتى المدنية منها؟ ففي هذه الحالة، قد تقدم إسرائيل على أي فعل من دون أي رادع عسكري ميداني، سواء كان إيرانيًا أو محليًا، ولا من رادع سياسي أمريكي أو دولي أمامها. المخاوف الكبيرة. هل من أحد يستطيع تجنب ما هو مقبل علينا، أو قادر على التخفيف من شراسة الحرب؟ تصعب الإجابة عن هذا السؤال طالما أن إسرائيل ماضية في تحضيراتها وخططها، حتى إنه لم يبقَ أمامنا سوى انتظار التوقيت المناسب لها. بمعنى هل باتت الحرب وشيكة، أم ستؤجل إلى ما بعد الانتخابات الإسرائيلية والانتخابات النصفية الأمريكية؟ الأجواء ملبدة في لبنان وكل المنطقة، ولا سيما في بعدها الإيراني، بمعنى هل تبدأ الحرب من إيران وتصل إلى جنوب لبنان، حيث يقدم حزب الله على حرب إسناد أخرى؟ أم أن الشرارة ستكون من جنوب لبنان بداية، ثم تتدخل إيران، وتنجح إسرائيل في مخططها لترد على الداخل الإيراني إلى جانب أمريكا، ومعهم الكثير من الدول الأوروبية والإقليمية والدولية؟ ومرد هذا الحديث يعود إلى ما هو حاصل في اليمن والقرار في إنهاء الحوثي، بعدما أصبح مصدر قلق جدي للخليج وللسعودية خاصة. هذا فضلاً عن أن الضربة المحتملة على إيران تتزامن مع وضع داخلي إيراني صعب جدًا شعبيًا، وسط وضع اقتصادي مهترئ، وتخبّط على مستوى إدارة النظام والقرارات المتناقضة داخل الحكم. ثمة سباق على حرب مقبلة وآتية لا محالة، لكن يبقى التوقيت، أي متى ستبدأ. والانتظار سيد الموقف. وعندما تبدأ لن تنتهي هذه المرة مثل السابق، وبقاء الوضع على حاله من دون تغييرات أو حلول مختلفة تنهي الحرب. عودة على بدء. في حال بدأت الحرب سأسميها "الجوّرعة الفاصلة"، أي جورعة الحرب في مواسمها الأخيرة. وعلى بيادرها هناك سنعرف ماهية حسابات الربح والخسارة. وبعدها نعود إلى قراءة الحرب وواقعنا. لكن السؤال الحالي؛ أي قبل اندلاع هذه الحرب، هل نحن قادرون على النهوض مجددًا بعد النكبة الحالية، أو بالأحرى بعد هذا الزلزال الذي ما زالت ارتداداته متواصلة منذ ثلاث سنوات، تحت راية الانتصارات الموعودة؟ ما هو مؤكد أننا بعد الحرب المقبلة سنثبّت القول المأثور: لا مال ولا بنون، والندم لن يعود علينا بالنفع. أما مقولة "يا ليتنا كنّا نعلم"، فستصبح موضة بالية. وحينها لا تجد دنيا في دنياك، ولا آخرة في موتاك، على هذه الأرض التي تستحق الحياة.