"هــبونيَ عـيدا يــجعل العرْب أمة وسيروا بجثماني على دين "برهمِ" ســـلام عــلى كــفر يــوحد بــيننا وأهـــلا وســهــلا بــعــده بــجهنمِ" (الشاعر القروي رشيد سليم الخوري) تستمد فكرة "الولايات المتحدة اللبنانية المحايدة" جاذبيتها من تعب اللبنانيين وخوفهم. فحين تتعطل المؤسسات، وتتفاوت الخدمات، ويتحول كل استحقاق إلى مواجهة بين الجماعات، يبدو توزيع السلطة على وحدات أصغر وعدًا بحياة أكثر استقرارًا. ويصبح السؤال مشروعًا هو لماذا يبقى سكان منطقة أسرى خلافات سياسية تمنعهم من إدارة مدارسهم وطرقاتهم ومواردهم؟ ولماذا تُربط حاجاتهم اليومية بتسويات تتجاوزهم، وتُنجز غالبًا على حسابهم؟ لهذه الأسئلة وزنها، وأي دفاع عن الصيغة القائمة يحتاج إلى مواجهتها. لكن الانتقال من تشخيص العجز إلى اقتراح الولايات المستقلة أو المتحدة يحتاج إلى حجة تتجاوز جاذبية الاسم والخريطة. فنجاح أي ترتيب دستوري يُقاس بما يغيّره في علاقة الإنسان بالسلطة في قدرته على المشاركة والمحاسبة، وحريته في الاختلاف، ومساواته أمام القانون. وقد تنقل إعادة توزيع الصلاحيات القرار إلى الناس، وقد تنقله إلى زعماء أقرب إليهم جغرافيًا وأكثر قدرة على مراقبتهم. وبين الاحتمالين تقع المسألة الأساسية وهي أي مواطن سينتجه النظام المقترح، وأي سلطة ستمنحه القدرة على مساءلتها؟ يبدأ الاختبار من مفهوم "المكوّنات" التي يُراد حمايتها، إذ تبدو الكلمة واضحة في الخطاب السياسي، لكنها تصبح ملتبسة عند التدقيق. هل المقصود الطوائف، أم المناطق، أم جماعات ثقافية يُفترض أنها تتشارك تصورًا للحياة؟ ومن يحدد حدود هذه الجماعات؟ ومن يمنح ممثليها الحق في الكلام باسم جميع المنتمين إليها؟ فتسمية الجماعة "حضارية" تقتضي بيان ما يجمع أفرادها فعلًا، وكيف يمكن ترجمة هذا الجامع إلى حقوق سياسية وحدود جغرافية من دون اختزالهم. تضم الطائفة الواحدة المؤمن والمتشكك، والمحافظ والإصلاحي، وصاحب الثروة والعامل الذي يعجز عن تسديد فاتورته. ويختلف أبناؤها حول الاقتصاد والتعليم والعلاقات الخارجية ومفهوم الدولة. وقد تجمع الطبيب بزميله من طائفة أخرى مسؤولية مهنية ومواقف عامة تفوق ما يجمعه بزعيم يتحدث باسمه. هكذا يعيش الإنسان انتماءات متداخلة، تتغير أهميتها بحسب ظروفه. وحين تختار المؤسسات انتماءً واحدًا ليحدد موقعه السياسي، فإنها تشارك في تضييق هويته، وتمنح ذلك الانتماء سلطة إضافية على مستقبله. هنا تصبح حماية المختلف داخل الجماعة جزءًا من حماية التعدد نفسه. فقد تطالب جماعة بضمانات عادلة في مواجهة أكثرية وطنية، فيما يمارس أصحاب النفوذ داخلها ضغطًا على المعترضين. ويحتاج المواطن عندئذ إلى حماية من سلطة تتحدث بلغته وتستند إلى تراثه وتدّعي الدفاع عن وجوده. وتزداد أهمية هذه الحماية عندما تصبح الوظيفة والمدرسة والخدمة والترخيص مرتبطة بمؤسسات محلية يسيطر عليها فريق واحد. فالقرب من السلطة يمنح إمكانًا للمحاسبة، لكنه قد يزيد أيضًا كلفة الاعتراض عليها. وتستدعي هذه المخاوف إعادة النظر في تشخيص الأزمة. فالمركزية تحدد مكان اتخاذ القرار، بينما تتعلق قوة الدولة بقدرتها على تنفيذ القانون وإدارة الموارد وحماية الحقوق. ويمكن أن تتجمع الصلاحيات في العاصمة، ويبقى القرار الفعلي موزعًا بين قوى تملك التعطيل والفرض. لذلك يحتاج تفسير الانهيار بتضخم المركز إلى التمييز بين مركز يحتكر الاختصاصات ودولة تستطيع إخضاع أصحاب النفوذ للقواعد العامة. وقد يجتمع احتكار الصلاحيات مع ضعف السلطة العامة، فيتحول المركز إلى غنيمة يتنازعها المتحاصصون. وإذا كان تقاسم المؤسسات أحد أسباب عجزها، فإن إنشاء الولايات يستوجب شرح الآلية التي ستفك هذا التقاسم. ماذا يمنع انتقال الزبائنية والاحتكار إلى المستوى المحلي؟ وماذا يحدث عندما تحصل القيادات نفسها على موارد أوسع وصلاحيات تشريعية وإدارية إضافية؟ يصبح احتمال استبدال المحاصصة الوطنية باحتكارات محلية سؤالًا جديًا. وتحتاج الإجابة إلى قضاء مستقل، ومنافسة سياسية فعلية، وشفافية مالية، وإعلام قادر على العمل، وضمانات تحمي الموظف والمواطن من الانتقام. هذه شروط تؤثر في النتيجة أكثر من الاسم الدستوري وحده. ثم تأتي الجغرافيا، حيث تخرج الفكرة من عمومياتها. فكل حد على الخريطة يوزع موارد وسكانًا ونفوذًا، ويصنع أكثرية هنا وأقلية هناك. وإذا استند التقسيم إلى غلبة طائفية، وجب تحديد موقع السكان المختلفين في هل يشاركون في تعريف الولاية واتجاهها، أم يُعاملون بوصفهم ضيوفًا على هوية مقررة سلفًا؟ وهل يستطيع مواطن من الأقلية المحلية رئاسة مؤسساتها، أم تبقى المناصب الأساسية حكرًا على الجماعة التي تُنسب إليها الأرض؟ قيمة المساواة تتضح عند الوصول إلى السلطة. ويتعقد الأمر عند تحديد السكان الذين تُرسم الحدود على أساسهم. فالمقيم الفعلي قد يصوّت حيث تعيش عائلته الأصلي