وضعت اللبنانية الأولى السيدة نعمت عون ملف أطفال لبنان في قلب القمة العالمية للاستثمار في رفاه الطفل في سمرقند، عارضةً أمام المشاركين صورة قاتمة عن تداعيات الحرب والأزمات على الطفولة في لبنان، من الخسائر البشرية والإعاقات إلى الصدمات النفسية وتضرّر المدارس، ومشدّدةً على أن حماية الأطفال والاستثمار في صحتهم وتعليمهم يشكّلان استثماراً مباشراً في مستقبل المجتمع والدولة. وجاء موقف عون خلال مشاركتها في المؤتمر الدولي الثاني لأورام الأطفال وأمراض الدم، الذي عُقد ضمن القمة حول رفاه الأطفال في أوزبكستان، بدعوة من السيدة الأولى زيروات ميرزيوييفا، وبمشاركة السيدات الأوليات لتركيا وباكستان وقيرغيزستان وزيمبابوي وسلطنة عُمان وأذربيجان، إلى جانب رئيس الدورة الحادية والثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة خليل الرحمن. وفي كلمتها، انطلقت عون من الواقع الصحي الذي يواجهه الأطفال في لبنان، مشيرةً إلى أن البلاد سجّلت أكبر ارتفاع في معدلات الإصابة بسرطان الأطفال في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، بنسبة بلغت 82% منذ عام 1990. وأكدت أن هذه الأرقام لا تختصر المأساة، إذ إن خلف كل حالة طفلاً يحتاج إلى العلاج وإعادة التأهيل والتعليم، وعائلة تتحمّل أعباءً صحية ونفسية واجتماعية كبيرة. لكن التحدي الصحي، وفق عون، يتقاطع اليوم مع تداعيات الحرب الأخيرة التي تركت آثاراً قاسية على الأطفال في لبنان. وأشارت إلى أنه منذ آذار 2026، استشهد أكثر من 250 طفلاً وأُصيب أكثر من 1000 آخرين، بمعدل بلغ 7 أطفال بين شهيد وجريح يومياً على مدى 6 أشهر، لافتةً إلى أن 12% من الأطفال المصابين باتوا يعيشون مع إعاقة. وشدّدت في هذا السياق على أن انتهاء العمليات العسكرية لا يعني انتهاء معاناة هؤلاء الأطفال، معتبرةً أن مرحلة التعافي من آثار الحرب هي "الفصل الأطول"، وقد تكون الأكثر عرضة للإهمال والنسيان. ولا تقتصر التداعيات، بحسب عون، على الإصابات الجسدية، إذ كشفت أن تقديرات منظمة الأمم المتحدة للطفولة "اليونيسف" تشير إلى أن أكثر من 40% من الأطفال في لبنان عانوا من ضغوط نفسية خلال الأشهر الـ6 الماضية، ظهرت في أشكال مختلفة، من الكوابيس والأرق إلى الخوف وفقدان الأمل. ومن هنا، دعت إلى إدماج خدمات الصحة النفسية في المدارس والعيادات والخطط الوطنية للتعافي، مؤكدةً أنها ليست خدمة ثانوية أو ترفاً، بل جزء أساسي من مسار شفاء الأطفال وإعادة دمجهم في حياتهم الطبيعية. وربطت اللبنانية الأولى حماية الطفل بتوفير بيئة آمنة له، ولمّ شمل العائلات، وتأمين الرعاية النفسية والاجتماعية، إلى جانب احترام قوانين الحرب والاتفاقية الدولية لحقوق الطفل من جانب جميع أطراف النزاع من دون استثناء. كما شدّدت على أن حماية الأطفال لا تنفصل عن حماية أمهاتهم، مشيرةً إلى عمل الهيئة الوطنية لشؤون المرأة اللبنانية، التي تترأسها، على تعزيز حقوق المرأة وحماية الطفل، انطلاقاً من دور الأم بوصفها الملاذ الأول لطفلها. وفي الشق التربوي، كشفت عون حجم الأضرار التي أصابت القطاع التعليمي نتيجة الحرب، إذ تضرّرت أو دُمّرت 436 مدرسة خلال الأشهر الـ6 الماضية، ما يضع نحو 100 ألف طفل من الملتحقين بالمدارس أمام خطر فقدان مقاعدهم الدراسية. وأشادت بالدور الذي أداه المعلّمون في ضمان استمرارية التعليم داخل مراكز الإيواء وعبر الإنترنت وفي ظروف شديدة الصعوبة، لكنها اعتبرت أن مجرد استمرار العملية التعليمية لا يكفي، داعيةً إلى توفير تعليم نوعي ينمّي التفكير النقدي والتعاطف والمهارات التي يحتاج إليها الأطفال في المستقبل. وفي موازاة الصحة والأمان والتعليم، ركّزت عون على دور الأسرة والقيم في حماية الأطفال، معتبرةً أنه عندما تهتز المؤسسات تبقى الأسرة الركيزة الأساسية التي تمنح الطفل الاستقرار والتوازن. وفي هذا الإطار، استعرضت مبادرة "مدرسة المواطنية" التي أُطلقت العام الماضي كمشروع وطني يمتد على 5 سنوات لتعزيز التربية المدنية القائمة على القيم. وأوضحت أن المبادرة وصلت في عامها الأول إلى أكثر من 30 ألف طالب وطالبة في 150 مدرسة رسمية وخاصة في مختلف المناطق اللبنانية، فيما يجري العمل خلال العام الحالي على مضاعفة العدد ليشمل 300 مدرسة. وأكدت أن الهدف من المبادرة هو ترسيخ شعور الطفل بانتمائه إلى وطنه ودوره في بنائه، وتكريس مفهوم المواطنية والمسؤولية تجاه الآخرين منذ المراحل التعليمية الأولى. وفي ختام كلمتها، دعت عون الحكومات إلى إعادة توجيه أولوياتها نحو الأطفال والشباب، وعدم الاكتفاء بإطلاق التعهدات، بل ترجمتها إلى سياسات وخطوات ملموسة تنعكس مباشرة على حياة الأطفال. وقالت إن الطفل الذي يعيش في بيئة آمنة ويتمتع بالصحة والتعليم والمحبة يصبح في المستقبل مواطناً قادراً على الإسهام في بناء السلام، معتبرةً أن الاستثمار في الأطفال "استثمار في إنسانيتن