هناك شخصيات بدأت تتسلل إلى مواقع التواصل الاجتماعي، وتبدو للوهلة الأولى أشخاصاً حقيقيين صادفتهم الكاميرا في لحظات عفوية من حياتهم اليومية. وجوه غريبة، وتسريحات شعر مبالغ فيها، وملابس تستعير ملامحها من الثقافة الشعبية العربية، وحركات تبدو مقتطعة من مسلسل كوميدي. يمكن رؤية تلك الشخصيات ترقص في الأعراس وتتجول في الأسواق وتشارك في الترندات المنتشرة. لكن بعض الشخصيات لم يوجد يوماً خارج الشاشة، بل وجوه مولدة بالذكاء الاصطناعي. من بينها رجل يرتدي الجلابية العربية، و"تيتا ياسمين"، المسنة التي يضعها لقبها في موقع الجدة المألوفة. ويصعب أحياناً الشك في حقيقة ما نراه، لأن هذه الشخصيات تظهر وسط يوميات أشخاص حقيقيين بلا إشارة إلى زيفها. وتكشف عبارة مرافقة لأحد مقاطع "تيتا ياسمين"، تتمنى مصادقتها، كيف يمكن أن تتحول الفرجة إلى رغبة في علاقة مع صاحبة الوجه. وتتيح الحسابات المستقلة لهذه الشخصيات أن تعيش خارج حدود المشهد الواحد. ومع تكرار ظهورها، تتراكم لها سيرة يتابعها الجمهور، ويمكن لصانعها أن يمنحها أصدقاء وعائلة، أو يجعلها تتزوج وتكبر وتتبدل أحوالها. ولا ينتهي هذا الارتباط بالضرورة عند اكتشاف أصل الشخصية، فالمُشاهد يستطيع تكوين علاقة عاطفية مع أبطال الروايات والرسوم المتحركة رغم معرفته بأنهم متخيلون. وتوضح شخصية "ديرتي دارلين" (Dirty Darlene) هذا النموذج. فهي امرأة مسنة ساخرة تظهر في المطاعم والحانات ومواقف الحياة اليومية، وتنتجها شركة "أنريل" (Unreel) التي تتولى كتابة شخصيتها وصوتها وإدارة حسابها. ووفق أرقام الشركة، بلغ جمهورها نحو 358 ألف متابع في آب/أغسطس 2026، وتعرض الشركة إدماج المنتجات في عالمها الكوميدي، لتتحول الشخصية إلى وسيلة إعلانية لها جمهور سابق على الإعلان. وسبقت هذه الموجة "ليل ميكيلا" (Lil Miquela)، المؤثرة الافتراضية التي عهدت إليها علامة "برادا" بإدارة محتوى حسابها في "إنستغرام" خلال عرض أزياء العام 2018. ويكمن الجديد اليوم في تطور أدوات الإنتاج التي تتيح إنشاء مشاهد متحركة تشبه التسجيلات العفوية للحياة اليومية تتيح للشخصيات استعارة طريقة المؤثرين في تقديم يومياتهم وعلاقتهم بالمعلنين، بحيث تصبح الشخصية قادرة على الانتقال من منشور إعلاني إلى حكاية تتكرر فيها السلعة. وتفتح هذه الأدوات المجال أمام صانعي المحتوى لتطوير شخصيات من دون الحاجة إلى استديو أو فريق تصوير. وقد تتحول شهرة الحساب إلى قوة تفاوضية لصاحبه، أو مدخل إلى السينما والتلفزيون، حيث تستطيع شركات الإنتاج شراء حقوق الشخصية أو ترخيص استخدامها، مستفيدة من جمهور يعرفها مسبقاً. لكن انتقالها إلى مالك جديد قد يغير صورتها وطريقة حديثها مع متابعيها. وتثير هذه الصفقات، أسئلة حول الملكية، حيث يربط مكتب حقوق النشر الأميركي حماية المخرجات بوجود مساهمة تعبيرية بشرية كافية، ولا يعتبر كتابة الأوامر وحدها أساساً للحماية. لذلك، يتطلب استثمار الشخصية تحديد حقوق النصوص والتصميم والعلامة التجارية والعقود، وفق القانون المعمول به. وقد يملك طرف اسم الشخصية وحسابها، من دون أن يملك حقاً حصرياً في كل عنصر تولده الأداة، فتظهر مسافة بين القدرة على إنتاج وجه والقدرة على منع الآخرين من استخدامه. وظهر جانب آخر من الجدل مع "تيلي نوروود" (Tilly Norwood)، التي أثار تقديمها العام 2025، كممثلة مولدة بالذكاء الاصطناعي، اعتراض نقابة الممثلين الأميركيين "ساغ أفترا"، التي رفضت اعتبارها ممثلة، وحذرت من إحلال الشخصيات الاصطناعية محل المؤدين البشر. فالممثل يستطيع الاعتراض على دور ما، والتفاوض على أجره، بينما تبقى قرارات الشخصية الاصطناعية في يد الجهة التي تديرها. ولهذا يرتبط النقاش بحقوق العاملين في الإنتاج ونصيبهم من العائد، خصوصاً عند إعادة استخدام مساهماتهم بعد انتهاء عقودهم. وكان الذكاء الاصطناعي أحد ملفات إضرابات كتاب هوليوود وممثليها العام 2023. وحصل الممثلون على ضمانات تتعلق بالموافقة والتعويض عند إنشاء نسخ رقمية منهم واستخدامها، فيما انتزع الكتّاب قواعد تمنع اعتبار الذكاء الاصطناعي كاتباً أو إلزامهم باستخدامه. وتواصل التفاوض في اتفاق الممثلين العام 2026، الذي عزز شروط إخطار النقابة والتفاوض معها بشأن استخدام الشخصيات الاصطناعية. ورافق ذلك تحرك تشريعي في كاليفورنيا، التي أقرت العام 2024 قانونَين لحماية المؤدين الأحياء والمتوفين من الاستخدام غير المصرح به لنسخهم الرقمية. وفي مصر، أطلقت نقابة المهن التمثيلية بالتعاون مع "ميتا"، في تشرين الأول/أكتوبر 2026، مبادرة للتوعية بمخاطر التزييف والتلاعب بالصور والفيديو. لكن حماية الفنانين من انتحال الهوية لا تعالج وحدها حقوقهم المهنية، التي تتطلب تحديد شروط الموافقة وأجور إعادة الاستخدام ومصير النسخ الرقمية عند انتقال الحقوق إلى شركة أخرى. وامتد النقاش