يسجل لمعرض الكتاب العربي الدولي للكتاب في دورته ال67 أنه أضاء شيئا من عتمة بيروت في زمن الحرب. وهو بكل الاحوال لم يعرف يوماً ترف الانعقاد في ظروف مثالية دائما. فمنذ تأسيسه في خمسينيات القرن الماضي وهو يحمل في سجله محطات سياسية واجتماعية متقلبة عكست حال البلد وأوضاعه وانكساراته. ورغم ذلك بقي عميد المعارض العربية يحمل الهيبة. ولكن هذه المرة حمل معها عبئا ثقيلاً اذ انعقد بعد اشهر قليلة من حرب مفتوحة ثم هدنة مفاوضات معقدة تلتها أجواء حرب جديدة. ولكن وفقا لمعطيات النادي الثقافي العربي استقطب المعرض نحو 155 دار نشر تحت سقف واحد(توحيد المعرضين المتنافسين -النادي والنقابة- مع حضور راسخ المركز الثقافي الفرنسي وحضور مؤثر للجامعة الاميركية متعاونة مع كرسي الشيخ زايد). وشهد المعرض اكثر من 100 ندوة ضمت أكثر من 300 شخصية وأكثر من 500 حفل توقيع. وزار المعرض اكثر من 22 الف طالب من 350 مدرسة ومؤسسة تعليمية الى جانب عشرات الاف الزوار. كل ذلك فاق التوقعات واثلج القلب. والحقيقة انني كناشر مشارك التقيت بوجوه في المعرض لم نلتقها منذ سنين. كل ذلك يعني أن النجاح حقيقي ويحمل ملامح ومؤشرات وأفاق جديدة يبنى عليها . ولكن الافق الفعلي محدود بثلاثة قيود بنيوية:1- إن كلفة المشاركة تقصي الناشر الصغير او المستقل اذ بلغت كلفة المتر المربع 105 دولارات ومع كلفة الرفوف قد تصل الى 150 دولار اميركي . وهذا عبء على دور النشر الصغيرة والمستقلة، ويؤثر على استمرارية مشاركة هذه الدور . 2-ضعف التغطية الإعلامية والإعلانية في وسائل التواصل الاجتماعي وفي الصحف والتلفزيونات والإعلانات. وبالتالي فإن الحدث لم يترجم بطريقة تمكنه من الوصول الى كل الجمهور . 3- إن اقتصاد الحرب لا يزال ثابتا في الخلفية، وبالتالي أن النجاح لا يفعل أو يبقى نجاحا مع وقف التنفيذ. أن الأفق الواقعي لبيروت اليوم هو أفق مشروط ونجاح المعرض يثبت القدرة على الاستمرارية. ويظل السؤال مغلقاً: هل يبنى على النجاح في قابل الأيام؟ هل يراكم ثقة الناشرين اللبنانيين والعرب أم يظل استثناء سنوياً في كل مرة؟ يمكن تلخيص الوضع في ثلاثة مسارات محتملة:1- ان نبقى في مسار الاستمرارية الرمزية كطقس ثابت وتقليد متكرر يؤكد قدرة بيروت على الاستفادة من هامش حرياتها واستضافة نقاش ثقافي عربي لا يرتبط حجم تأثيره الاقتصادي على عملية النشر . 2-مسار البنية الهشة: ما لم تعالج كلفة المشاركة وضعف التسويق والتغطية يبقى النجاح مرتبطاً بجهود افراد وليس بنموذج مستدام. 3- مسار الأمل الواقعي: وتجلى ذلك بالزخم الشبابي اللافت هذا العام (كانوا يأتون وأغلفة الكتاب الورقي على هواتفهم). كذلك تعزيز الشعور لدى الناشرين انهم في معرض كتاب وليس في بازار للكتاب. يحتاج المعرض بعد إلى تنظيم أكثر دقة يتيح للجمهور الوصول بسهولة إلى الأجنحة والمشاركة بفعاليات المعرض. ويحتاج إلى تخصيص كل سنة بشخصية رمزية للمعرض. أو دعوة رمز ثقافي لبناني أو عربي ليفتتح الندوات والمحاضرات في المعرض. وكذلك لي إعادة نظام الإيصالات بما يتيح معرفة حجم المبيعات والكتب الأكثر مبيعاً. وإلى تخصيص جائزة لأفضل غلاف وجائزة لأجمل جناح. أخيراً، أن الأفق المتاح لبيروت اليوم هو ليس أفق انفراج موعود بل أفق صمود وعلامة وجود ومقاومة ثقافية . وكل ذلك يعتبر إنجازاً لا يستهان به لكنه أيضاً لا يشكل ضماناً ولا يقيناً.