تجترح الروائية الفلسطينية سلوى البنّا في روايتها التاسعة "تعويذة الشيخ المجذوب"، الصادرة عن المؤسّسة العربية للدراسات والنشر في بيروت، مساراً روائياًّ جديداً، يخرج عن ذاك الذي اعتمدته في رواياتها الثماني السابقة. ذلك أنّها تتّخذ من الواقعية السحرية مساراً لها بينما اتّخذت من الواقعية مساراً لرواياتها السابقة. وشتّان ما بين المسارين. تتمظهر الواقعية السحرية في "تعويذة الشيخ المجذوب" في العنوان والمتن، على حدٍّ سواء. وبذلك، يكون الأوّل من الثاني بمثابة الاسم من المسمّى. ففي العنوان، تنتمي كلمتا "تعويذة" و"المجذوب" إلى الحقل المعجمي للسحر، بينما تنتمي كلمة "الشيخ" إلى الحقل المعجمي للدين، ولا تخفى الصلة الوثيقة بين الحقلين، باعتبار أنّ كلاًّ منهما يحيل على الغيبيات والماورائيات، ويصبّان في قلب الواقعية السحرية التي تنطلق من الواقع، وتتعدّاه إلى ما وراء الواقع. أمّا الواقعية السحرية في المتن، فتتمظهر في المكان الروائي، وعدد من الشخوص، وبعض الوقائع الغرائبية؛ فالمكان الكبير الذي تجري فيه الأحداث متخيّل، لا وجود له على أرض الواقع، هو "ممالك الأحلام" الواقعة في بلاد الواق واق المتخيّلة، بدورها. والمكان الصغير هو كهف، في حضن صخرة منيعة، يُمارس فيها المشعوذ طقوسه السحرية. أمّا الشخوص الذين تتمظهر فيهم الواقعية السحرية، فهم: جوناثان الذي ينتحل صفة الشيخ المجذوب صاحب ممالك الأحلام، ولا يُعرَف له أصل من فصل، وهو "أكّال نكّار غدّار، لا يُؤتمَن له جانب، مراوغ، مخادع، نهم شرس"، وتنسب إليه الرواية قدرات خارقة. وروجينا أمّ العظام التي لا يُعرَف لها أصل ولا فصل، بدورها، وتُحيط بها الشائعات، ولديها قدرة على قراءة الأفكار، وتُتّهم بالجنون. والهادي عطية، الولي صاحب الكرامات، ويتمتّع بقدرات خارقة. وأمّا الوقائع فتتراوح بين كتابة التعويذات والأحجبة، وضرب المندل، وقراءة الكف، والتنجيم، وفك شيفرة الدوائر الدخانية، وتَقيّؤ أسماك صغيرة، واستحالة إصابة الولي بالحجارة، وإعادة الميت إلى الحياة، وغيرها. تقوم الرواية على صراع خفي ومعلن بين فريقين اثنين؛ الأوّل فريق السلطة بقيادة الشيخ المجذوب الذي يمارس أساليب غير مشروعة لترسيخ سلطته، وفي طليعتها الشعوذة. وينخرط فيه طبيبة التجميل السابقة لوليتا، الدليل السياحي السابق روجينا، والإعلامي السابق نور الدين. والثاني فريق المعارضة بقيادة الهادي عطية الذي يتوخّى الإيمان في معارضته وفضح تخرّصات الفريق الأول. وينخرط فيه صلاح منصور الحريص على مبدئيّته، وإحسان السعدي ابنة الضابط الشهيد التي نشأت على حبّ الوطن والتمسّك بأهداب الأخلاق. والمفارق أنّه في حين يتحوّل الصراع إلى داخلي، ضمن الفريق الأوّل، فيتجاذب أفراده السلطة في ممالك الأحلام، فإنّ الفريق الثاني يُحافظ على تضامن أفراده في السرّاء والضرّاء. على أنّ الصراع بين الفريقين الذي يمكن اختزاله إلى صراع بين الشعوذة والإيمان، يمرّ في جزر ومد، وينجلي، في نهاية الرواية، عن انتصار الإيمان على الشعوذة، ودفع ثمنٍ غالٍ دون هذا الانتصار. في الوقائع الروائية، يتّخذ الشيخ المجذوب من كهف صغير، في حضن صخرة منيعة، مكاناً لممارسة سلطته؛ فيستدرج الأتباع إليه، ويمارس عليهم شعوذته، فيخرجون من عنده وقد أسرتهم سطوته. وهو، في سبيل تحقيق أهدافه في السيطرة والتسلّط، يتّخذ المساعدين، ويصطنع الأدوات، حتى إذا ما استنفدوا مهامّهم أو فشلوا في تنفيذها، يُسارع إلى التخلّص منهم. لذلك، يتدبّر أمر قتل أداته وصنيعته الزعيم نور الدين، فَيُعثَر عليه جثّة عارية، وقد نهشتها كلاب ضالّة مسعورة. يقتل مساعدته لولا في نهاية الرواية، ويُطوّح بمساعدته الأخرى روجينا يميناً ويساراً ويرميها من علٍ، قبل أن ينتزع قناع الشيخ المجذوب ويُطعمه للنار، ويعود إلى وجهه الأصلي، في إشارة روائية إلى أنّ الشعوذة مآلها النار، إلى أنّ الأقنعة لا يمكن أن تحجب حقيقة الوجوه، إلى الأبد. في المقابل، يتولّى الهادي عطيّة التصدّي لقوافل العابرين إلى كهف المجذوب، وإعادتهم إلى جادة الصواب. ولعلّ النداء الذي يُطلقه، في نهاية الرواية، داعياً فيه الموتى إلى الاستيقاظ لأنّ الحياة حق، يلخّص طبيعة المهمّة التي يتصدّى لها. ويساعده فيها صلاح منصور الذي يصفه المجذوب بالصخرة التي تُعيق درب العابرين إليه، ويستهدفه بسهامه التي تصيب منه مقتلاً يودي بحبيبته إحسان، وينجو هو بفضل تدخّل الولي عطية الذي يُعيده طيفه إلى الحياة، ويهمس في أذنه في نهاية الرواية بالقول: "الآن صلاح أنت الفصل الجديد في هذه الرواية. خذ القلم بقوّة واكتب: انبعاث الحياة من عتمة القبور حق"، في إشارة روائية إلى انتصار الإيمان على الشعوذة، وانبعاث الحياة من الموت. في غمرة الصراع بين الفريقين، تموت علاقات وتُولَد أخرى، بسبب عدم التكافؤ بين المتعالقَيْن، سواء على مستوى الزواج أو الص