تستمر الاتصالات للحؤول دون حصول الانفجار الكبير. وفي ضوء المناخ السائد وما يُعتزم اتخاذه من إجراءات، تبلورت قناعة جدّية بأن السلطة تتجه إلى جرّ حزب الله نحو المواجهة، عبر مسار قضائي يبدأ بإحالة ملف شحنة ضهر البيدر إلى المجلس العدلي، بوصفه إحدى أوراق الضغط الأخيرة لفرض تعديل على وظيفة السلاح. وفي المقابل، لا يتعامل الحزب مع ما يجري بوصفه اختباراً سياسياً أو أمنياً عابراً، بل مساراً فُرض عليه، وبات يرى أن كلفة الصمت إزاءه أعلى من كلفة المواجهة، ما يستدعي وقف خسائره الداخلية ووضع حدّ لمحاولات استفراده وتطويقه. الجميع إذاً صار فوق الشجرة. وحتى اللحظة، لا تبدو المساعي المبذولة لسحب بند الإحالة إلى المجلس العدلي من جدول أعمال مجلس الوزراء قادرة على بلوغ غايتها. ولا يشترط الحزب، لنزع فتيل الانفجار، التراجع عن الإحالة وحدها، بقدر ما يطالب بمقاربة شاملة تقوم على كفّ إجراءات السلطة بحقه، إذا كانت الأخيرة تريد فعلاً الذهاب إلى حلول. غير أن السلطة، وبدلاً من المبادرة إلى التهدئة، كما تمنّى رئيس الوزراء القطري خلال زيارته بيروت، اختارت إدراج الإحالة على جدول أعمال جلسة اليوم. يُظهر إدراج البند، ولو في المرتبة الأخيرة، توجّهات السلطة نحو تعزيز الضغط على الحزب لانتزاع تنازلات منه. لكن الأخير ليس في هذا الوارد، وقد أبلغ المعنيين استعداده للمواجهة، مقرناً تحذيراته السياسية بتحركات ميدانية دفعت إلى تعزيز انتشار الجيش اللبناني في بيروت والضاحية الجنوبية. يقول مصدر رسمي إن إدراج بند الإحالة جاء في سياق تكريس توجّه يتبنّاه رئيس الجمهورية جوزاف عون، وتنفيذاً لالتزامات أمنية وسياسية لبنانية تجاه الولايات المتحدة، ولا سيما خلال اتصال عون بوزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، فيما يتحرك السفير الأميركي ميشال عيسى باعتباره معنياً بمتابعة تنفيذ هذه الالتزامات. سبقت هذا التصعيد وقائع ميدانية توحي بأن الطرفين قرّرا رفع وتيرة المواجهة. فقد استُخدمت حادثة مستودع الأدوية الهندية في كاليري سمعان لإظهار علوّ يد السلطة الأمنية في الضاحية ومحيطها، بعد ضبط المواد المتفجرة في ضهر البيدر. وصحيح أن البلاغ صدر عن وزير الصحة ركان ناصر الدين، المحسوب على الحزب، إلا أن تصرّف الأخير انطلق من معلومات مسبقة عن تحضيرات محتملة لعمليات دهم تستهدف مراكز يُعتقد أنها مستودعات أسلحة أو منشآت تابعة له، فردّ على استعراض القوة بمثله. ثم جاءت الحركة الليلية لنحو مئة دراجة نارية في بيروت ومحيطها. وبحسب مصدر أمني، شكّل التحرك رسالة مباشرة إلى الأجهزة الأمنية والسلطة، لا إلى المواطنين الذين كانوا داخل منازلهم. وقد قرأت السلطة الرسالة وردّت بتعزيز انتشار الجيش في الضاحية وعلى طريقي المطار القديم والجديد وعند مدخله، وبالدعوة إلى اجتماع أمني في قصر بعبدا. وبين الخطوتين، نفّذ الحزب انتشاراً أمنياً في الضاحية على مرأى من عناصر الجيش. قبل ذلك، كان النائب حسن فضل الله قد اختار توقيت التصعيد، عبر توفير الغطاء السياسي العلني لعمليات إدخال الأسلحة، من خلال تبنّي شحنة ضهر البيدر وتحديد المسؤولين عنها، في انتقال من منطق المسايرة والمراعاة إلى الرعاية السياسية المعلنة للخطوات العسكرية. اغتنم عون موقف فضل الله والتحركات الميدانية للتقدّم خطوة إضافية. فدعا قادة الأجهزة الأمنية إلى اجتماع في بعبدا، وفّر خلاله الغطاء السياسي لإجراءات وزير العدل عادل نصار بشأن الإحالة إلى المجلس العدلي، علماً أنه كان قد طلب منه سابقاً إعداد الملف لاستخدامه عندما تنضج الظروف. والأهم أن الاجتماع أسّس، وفق المعطيات، لمقاربة جديدة تتعامل مع حزب الله بوصفه كتلة واحدة، من دون الفصل بين جناحيه الأمني والعسكري وجسمه السياسي. وهي مقاربة تتجاوز قرار الحكومة في الثاني من آذار الماضي، الذي اعتبر الجسمين الأمني والعسكري خارجين عن القانون، لتطرح احتمال شمول الحزب بكليّته بهذه الصفة. وعلى ما يبدو، يريد رئيس الجمهورية الانتقال من استهداف الجسمين الأمني والعسكري إلى اتخاذ إجراءات تطال الحزب ككل. وفي هذا السياق، قد تُستخدم مواقف فضل الله لتوفير الظروف السياسية والقانونية للإحالة إلى المجلس العدلي، تمهيداً، وفق هذه القراءة، لمسار أوسع من المحاسبة قد يصل إلى مشروع تفكيك الحزب وحلّه. في الاجتماع نفسه، طلب عون من قادة الأجهزة تنسيق الملفات المتعلقة بالحزب عسكرياً وأمنياً مع مفوّض الحكومة لدى المحكمة العسكرية، القاضي كلود غانم، وترك الملفات الأخرى ذات الطابع الجنائي أو السياسي ضمن صلاحيات مدعي عام التمييز، القاضي أحمد رامي الحاج. ويأتي توزيع الأدوار هذا، بحسب المعطيات، بعد اتصال روبيو بعون، وفي ظل تحركات السفير الأميركي الداعمة لتعزيز دور غانم. كذلك شنّ عون هجوماً حاداً على فضل الله، متهماً إياه بتعمّد تحدّي الدولة علناً، بناءً على قر