تنتقل قضية شاحنة المتفجرات المضبوطة في ضهر البيدر من أروقة التحقيقات الأمنية والقضائية إلى طاولة مجلس الوزراء في قصر بعبدا، حيث تعقد الحكومة، اليوم الخميس، جلسة عند الساعة الثالثة بعد الظهر برئاسة رئيس الجمهورية جوزاف عون، وسط ترقب للقرار الذي ستتخذه بشأن طلب وزير العدل عادل نصار إحالة الملف إلى المجلس العدلي، في خطوة تتجاوز أبعادها القضائية لتلامس واحدة من أكثر القضايا السياسية والأمنية حساسية في البلاد. فالقضية لم تعد تتعلق بمجرد ضبط كمية كبيرة من المتفجرات ونقلها بصورة مخالفة للقانون، بعدما أعلن النائب حسن فضل الله صراحة أن الشحنة تعود إلى حزب الله، وطالب باستعادة السيارة وحمولتها والإفراج عن الموقوفين، معتبراً أن المواد المضبوطة مخصصة لمواجهة إسرائيل في الجنوب. هذا الإعلان وضع السلطات اللبنانية أمام مسألة تتصل بمدى خضوع نقل المواد المتفجرة وحيازتها لسلطة الدولة، بصرف النظر عن الجهة التي تعلن ملكيتها أو الغاية التي تقول إنها كانت معدّة من أجلها. وفي هذا السياق، يبرز طلب وزارة العدل المدرج على جدول أعمال الجلسة، والذي لا يقتصر على شحنة ضهر البيدر، بل يشمل أيضاً المواد المضبوطة في منطقة القصر في البقاع، وكل ما قد تكشفه التحقيقات من ارتباطات مباشرة أو غير مباشرة بين هذه المواد. لكن الطريق إلى المجلس العدلي لا يبدو محسوماً، في ظل اتصالات سياسية وقضائية سبقت الجلسة، وفتحت الباب أمام خيار التريث بانتظار استكمال التحقيقات. وبحسب معلومات "ليبانون ديبايت"، كان رئيس الجمهورية جوزاف عون يميل أساساً إلى انتظار انتهاء التحقيقات قبل اتخاذ القرار المناسب في ضوء نتائجها. إلا أن المؤتمر الصحافي للنائب حسن فضل الله، وما تضمّنه من إعلان تبنّي حزب الله للشحنة والمطالبة باستعادتها، أحدث توتراً في الأجواء، خصوصاً أنه اعتُبر تحدياً مباشراً لسلطة الدولة وقرارات مجلس الوزراء، ما دفع عون إلى إعادة النظر في موقفه والمطالبة بالإحالة الفورية إلى المجلس العدلي. وتضيف المعلومات أن رئيس مجلس النواب نبيه بري، وفي أعقاب اندفاعة عون نحو الإحالة، تبنّى الموقف الذي كان رئيس الجمهورية يميل إليه أساساً، والقائم على التريث إلى حين استكمال التحقيقات، قبل اتخاذ أي قرار نهائي. وعلى هذا الأساس، تجري مشاورات سياسية يشارك فيها رئيس الحكومة نواف سلام، وسط أجواء من الحذر حيال اتخاذ خطوة قد تدفع البلاد إلى مزيد من التوتر، في وقت لا يزال فيه التحقيق القضائي مستمراً، ولم تتضح بعد جميع ملابسات القضية. وفي المقابل، ثمة اتجاه داخل مجلس الوزراء يدفع نحو الإحالة الفورية، إذ يتجه وزير العدل عادل نصار إلى التمسك بطلبه، بدعم من وزراء القوات اللبنانية والكتائب، انطلاقاً من اعتبار أن خطورة الملف تستوجب نقله إلى المجلس العدلي من دون تأخير. وكانت مصادر مقربة من وزير العدل قد أكدت، وفق ما نقلته صحيفة "العربي الجديد"، أن خطورة القضية وارتباطها بأمن الدولة يبرران إحالتها إلى المجلس العدلي، بما يعكس جدية الدولة في تطبيق القانون وحماية الأمن العام. ومن الناحية القانونية، تنص المادة 355 من قانون أصول المحاكمات الجزائية على أن إحالة الدعاوى إلى المجلس العدلي تتم بموجب مرسوم يتخذ في مجلس الوزراء، فيما تحدد المادة 356 الجرائم الداخلة ضمن اختصاصه، ولا سيما الجرائم الماسة بأمن الدولة والجرائم المنصوص عليها في قانون 11 كانون الثاني 1958. وعليه، فإن الإحالة لا تتم تلقائياً لمجرد خطورة القضية، بل تستوجب قراراً حكومياً ضمن الحدود التي يحددها القانون. وفي حال صدور مرسوم الإحالة، ينتقل الملف إلى مسار قضائي خاص، يتولى فيه النائب العام التمييزي ممارسة الدعوى العامة، ويُعيَّن محقق عدلي وفق الأصول، وصولاً إلى المحاكمة أمام المجلس العدلي، الذي تتسم أحكامه بالصفة النهائية، مع خضوعها للقواعد الخاصة المنصوص عليها قانوناً. وتكمن أهمية الإحالة في أنها تضع القضية ضمن اختصاص قضائي استثنائي مخصص لجرائم محددة تمس أمن الدولة، من دون أن تعني بحد ذاتها إدانة حزب الله أو الموقوفين أو حسم المسؤوليات الجزائية قبل اكتمال التحقيقات. أما التريث، فلا يعني إقفال القضية أو الإفراج تلقائياً عن الموقوفين أو إعادة المضبوطات، بل استمرار التحقيقات لدى المراجع القضائية المختصة، مع إبقاء إمكان الإحالة قائماً في مرحلة لاحقة. وكان وزير الإعلام بول مرقص قد أوضح، عقب جلسة مجلس الوزراء في 15 تشرين الأول، أن الحكومة لم تتخذ قراراً بإحالة الملف لعدم إدراج مشروع المرسوم على جدول الأعمال آنذاك. أما اليوم، فقد أصبح الطلب بنداً رسمياً أمام الوزراء، ما يفتح الباب أمام إقراره أو إرجاء البت به. وتزداد حساسية القضية مع تزامنها مع الاجتماعات العسكرية اللبنانية والإسرائيلية والأميركية في تامبا، حيث تتصدر مسائل بسط سلطة الدولة وحصر السل