1- من ازدواجية السيادة والإخلال بالوفاق الوطني إلى احتمال تفكك الكيان «لا تكمن خطورة الأزمة اللبنانية في استمرار وجود سلاح خارج سلطة الدولة، بل في المسار الذي قد يترتب على إصرار "حزب الله" على الاحتفاظ به، وتداعياته على التوازنات الداخلية وسيادة الدولة و مستقبل الكيان اللبناني. فحين يحتفظ حزب سياسي بقدرة عسكرية مستقلة وقرار استراتيجي يتصل بالحرب والسلم، يصبح السؤال أبعد من شرعية السلاح أو وظيفته المعلنة. إنه يتعلق بمن يمتلك القرار الوطني، وبقدرة المؤسسات الدستورية على إخضاع القوة المسلحة لمرجعية واحدة، وبما إذا كان لبنان قادراً على الاستمرار دولةً تتساوى فيها مكوناته أمام القانون، أم أنه يتجه إلى واقع تتقدم فيه موازين القوة على قواعد الشراكة الوطنية.إن الخطر لا يبدأ بالضرورة بتقسيم لبنان، بل بتآكل قدرته على أن يكون دولة واحدة. 2- السلاح الذي يغيّر التوازنات: من اختلال الردع إلى سباق تسلّح داخلي إن امتلاك "حزب الله" قوة عسكرية مستقلة يمنحه أدوات ضغط وتأثير في الخيارات الوطنية تتجاوز ما تتيحه المنافسة السياسية وحدها. ولا يعني ذلك أن أبناء الطائفة الشيعية كتلة واحدة أو أن الحزب يعبّر عن كل مواقفهم؛ فالمسألة تتعلق بموقع تنظيم مسلح داخل دولة يفترض أن تكون مرجعيتها واحدة لجميع مواطنيها. وقد قُدّم السلاح باعتباره ضمانة للدفاع عن لبنان، لكن الغاية المعلنة لا تلغي السؤال الجوهري: من يقرر استخدامه، ومن يتحمل تبعات قراره، ومن يحدد الخيارات الاستراتيجية للبلد؟ فالدفاع عن لبنان لا يمكن أن يتحول إلى تفويض دائم لقوة حزبية كي تقرر منفردة متى يدخل البلد في مواجهة، وما الأخطار التي يتحملها اللبنانيون . ولا تبرر معالجة هذه الإشكالية تهميش أي مكوّن أو المساس بحقوقه؛ فالمطلوب ليس استبدال هيمنة بأخرى، بل إخضاع الجميع لمرجعية دستورية واحدة. تتضاعف الأخطار عندما يؤدي اختلال ميزان القوة، في ظل التدخل الإيراني الداعم لـ"حزب الله"، إلى تراجع ثقة المكونات الأخرى بقدرة الدولة على توفير الحماية المتكافئة. فإذا ترسخ الاعتقاد بأن الدولة لا تستطيع فرض مرجعية أمنية واحدة على القوى المسلحة، فقد تتجه أطراف محلية إلى البحث عن ضمانات بديلة، عبر تعزيز قدراتها الدفاعية أو توثيق علاقاتها الخارجية. وهنا يبرز احتمال الانتقال من ازدواجية السلاح إلى التسلح الطائفي المتبادل. فبدل أن تكون الدولة المرجعية الجامعة التي تحتكم إليها الجماعات عند الخلاف، تصبح كل جماعة معنية بتأمين نفسها ذاتياً، وتقدير قدراتها الدفاعية وموازنتها مع قوة الآخرين. وقد تضيف التطورات التكنولوجية، ومنها انتشار المسيرات، بُعداً جديداً إلى حسابات الردع المحلي. لكن امتلاك هذه التقنيات لا يضمن ردعاً فعلياً ولا يحقق تكافؤاً بين الأطراف؛ والخطر يكمن في إدخالها ضمن حسابات متنافسة خارج منظومة الدولة. عندئذٍ لا يعود السلاح ضمانة لطرف واحد، بل يصبح حافزاً لتسلح أطراف أخرى، وقد يتحول الردع إلى معادلة هشّة تجعل كل طرف مصدر قلق للآخر. إن نزع سلاح تنظيم كـ"حزب الله" يمتلك بنية عسكرية ممتدة لا يتحقق بالضرورة بالقصف وحده، وقد يدفع تعثّر المسار السياسي والأمني نحو توسيع العمليات البرية. وإذا عجز الجيش اللبناني عن بسط سلطة الدولة، فقد تتخذ إسرائيل من استمرار هذا العجز مبرراً لتوسيع تدخلها العسكري، بما قد يعرّض لبنان، لا الجنوب وحده، لخطر اجتياح واسع يمتد إلى كامل الجغرافيا اللبنانية، وما يحمله ذلك من تداعيات على وحدة البلاد وتوازناتها الداخلية. وتختلف أخطار اليوم عن اجتياح عام 1982؛ فإسرائيل واجهت آنذاك منظمة التحرير الفلسطينية بوصفها قوة مسلحة ذات حضور مستقل عن الدولة اللبنانية، بينما يرتبط "حزب الله"، في الحسابات الاستراتيجية الإسرائيلية، بمنظومة إقليمية تقودها إيران. وبذلك تتداخل الجبهة اللبنانية مع الصراع الأوسع بين إسرائيل وإيران، ما يوسّع نطاق الأخطار المحتملة. وفي هذا السياق، قد تؤدي محاولة فرض هيمنة داخلية بالقوة إلى نتيجة معاكسة، فتفتح الباب أمام اجتياح عسكري إسرائيلي واسع يعيد تشكيل التوازنات اللبنانية، بدل أن تتيح للطرف الذي بدأ التصعيد تثبيت سلطته. ويزداد هذا الاحتمال أهمية في ظل اتساع الهدف الإسرائيلي المعلن ليشمل نزع سلاح الحزب على امتداد الأراضي اللبنانية، وتعثر المسار السياسي والأمني. إذا شعرت القوى اللبنانية الأخرى بأن قدراتها لا توفر ردعاً كافياً لمنع "حزب الله" من محاولة استعادة هيمنة سياسية تتجاوز قواعد الشراكة الوطنية، فقد تلجأ إلى دول الجوار ومراكز النفوذ الإقليمي طلباً للحماية، دفاعاً عن دورها وموقعها في المعادلة الداخلية، لا بالضرورة بهدف الانفصال أو التقسيم. وقد تتدرج هذه العلاقات من الدعم السياسي والديبلوماسي إلى التفاهمات الأمنية والاقتصادية، وصولًا إلى تأثير أوسع في القرار الم