في الأول من أيلول 1920، وقف الجنرال غورو على درج قصر الصنوبر، والبطريرك الياس الحويّك عن يمينه ومفتي بيروت عن يساره، وأعلن باسم فرنسا "استقلال لبنان الكبير من قمم حرمون إلى البحر". كانت اللحظة تتويجَ مسعى لبناني وماروني حمله الحويّك بنفسه إلى مؤتمر الصلح في باريس سنة 1919: وطنٌ نهائي يُخرج المشروع اللبناني من ضيق المتصرفية إلى سيادةٍ كاملة على أرضٍ واسعة، تُضمّ إليها بيروت والبقاع والشمال والجنوب. لكنّ شهادة ميلاد هذا الكيان الحقيقية لم تُكتب في بيروت، بل في قرية جنوبية اسمها عين إبل، قبل الإعلان بأربعة أشهر، وبالدم لا بالحبر. فعين إبل كانت تعيش منذ العهد العثماني توترًا محسوبًا مع جيرتها الشيعية: سرقة مواشٍ ونهب غلال، تحتمله القرية على مضض. فلمّا دخل الحلفاء بلاد الشام سنة 1918 ظنّ أهلها أنّ زمن الوصاية العثمانية على خصوماتهم قد ولّى. لكنّ الأمل خذلهم سريعًا: تحالف متاولة بلاد بشارة مع عشائر بدو الحولة وعصابات الشرق، وأغاروا في تشرين الثاني على مرجعيون وصفد البطيخ ويارون وقانا وغيرها، وهم يتوعّدون "أن يذبحوا أهل هذه القرى في سوق بنت جبيل كما تذبح الخراف". استغاث العينبليون بحاكم صور الفرنسي فلم يجدوا أذنًا صاغية، بل بضع بنادق لا تكفي، فأمضوا الشتاء يدرّبون شبّانهم على السلاح ويتناوبون على حراسة البلدة ليل نهار. وفي آذار 1920 تُوّج الأمير فيصل ملكًا على سورية، فطالب مبعوثوه أهل عين إبل بتسليم سلاحهم ورفع العلم الشريفي ودفع 400 ليرة. فرفض العينبليون، إذ لا حاكم لهم غير الفرنسي في صور، ولا مال يؤدّونه. وفي 24 نيسان اجتمع زعماء جبل عامل وعلماؤه في وادي الحجير، وقرروا التوجه إلى القرى التي لم يُصبها الأذى بعد: رميش وعين إبل ودبل وعلما، وأشاعوا أنّ اجتماعهم لمحاربة عصابات لا غير. وفي ظهيرة الأربعاء 5 أيار، أطلّت الحشود من بعيد ومعها رسالة خادعة: "لا بأس عليكم، إنما قصدنا مزار النبي يوشع". فرفعوا العلم الأبيض ونادوا "أصحاب أصحاب" حتى اقتربوا إلى مسافة الرصاص، فأطلقوا نيرانهم على الحامية وقتلوا منها اثنين، ثم أشعلوا أول بيوت البلدة: ذاك الذي كان يرفرف عليه العلم الفرنسي، رمزًا للحماية الموعودة قبل أن يكون حجرًا وسقفًا. قاتل شبان القرية حتى نفدت ذخيرتهم، فانسحبوا عند الغروب، تصحبهم إحدى الراهبات لتُعين جرحاهم، تاركين مرضى القرية الذين عاد ذووهم بعد أيام ليجدوهم محروقين مقطّعين. أما دير راهبات القلبين الأقدسين، حيث لجأت النساء والصبيان، فحاصرته الحشود عند التاسعة مساءً "كالذئاب"، وفجّرت بابه بالقنابل، واقتحمت الكنيسة، ومزّقت الصور، وحطّمت تمثال العذراء، وداست القربان المقدّس بالأقدام، وهي تصرخ: "نريد أن نذبحكم ذبح الحملان، يا نصارى، يا فرنسوية!". اختبأت الرئيسة كلمنتين خياط وراهبتان وخادمتهما تحت درج الدير، كما روت لاحقًا في شهادتها المنشورة في مجلة "المشرق" اليسوعية سنة 1920. لم يصل الجيش الفرنسي إلا بعد نحو أسبوعين، حين شنّ الكولونيل نيجر حملة عقابية استمرت أكثر من أسبوعين بآلاف الجنود والدبابات على قرى جبل عامل، وختمها بجمع وجهاء المنطقة في صيدا، حيث صدرت أحكام بالإعدام والنفي بحق رؤوس الحركة. انتقامًا لا حمايةً، عقابًا لا إنقاذًا: جاءت الدولة، إذًا، بعد الجريمة لا قبلها. وفي 31 آب، قبل الإعلان بيوم واحد فقط، أصدر غورو مرسومًا يضمّ صور وقضاءها، حيث تقع عين إبل، إلى الكيان الجديد. فحين وقف في اليوم التالي يُعلن الوطن الذي طال انتظاره، لم تكن عين إبل لبنانية إلا منذ ساعات، وكانت لا تزال تدفن موتاها وتُحصي جراحها. تلك هي الدلالة الأولى: أنّ لبنان الكبير وُلد متعثرًا. فمن يقرأ عين إبل اليوم لا يقرأ حادثة عابرة في هامش التاريخ، بل يقرأ العقدة الأولى في نسيج لبنان: أن يُطلب من جماعةٍ أن تدفع ثمن الوطن دماء وتهجير، لأكثر من قرن!