"إميلي فتاة عربية – عودتي" لبريجيت فضّول ها هي رحلتي الرابعة والأحب إلى قلبي من فرنسا إلى مدينتي بيروت (رويترز) "هل صار لبنان كما أراه في حلمي السعيد؟"، سؤال يختصر جانبًا من كتاب "إميلي فتاة عربية – عودتي" الصادر عن "دار سائر المشرق"، وهو الجزء الثاني من كتاب "إميلي فتاة عربية" لبريجيت فضّول الذي صدر للمرة الأولى عام 2024. تكمل الكاتبة في هذا الجزء قصة الفتاة اللبنانية، إميلي، التي أرغمتها ظروف بلدها على مغادرة الوطن والانتقال للعيش مع والديها في فرنسا قبل أن يعودوا إلى بيتهم وحياتهم في لبنان. تتناول الكاتبة في هذا الجزء قضايا متعددة مثل الهجرة، والحنين إلى الوطن، والبحث عن الأمان والاستقرار، إضافة إلى الحفاظ على وحدة العائلة والأصدقاء على الرغم من بُعد المسافات، معبّرة عن التحديات التي يواجهها كل إنسان في الوطن الأم وفي المهجر، وعن طرائق التغلب على الصعوبات وأهمية التحلي بالتفاؤل والأمل. هنا فصل من الكتاب... "مرحبًا بكم في "مطار رفيق الحريري الدولي" حيث التوقيت المحلي يشير إلى الساعة الثامنة والنصف مساءً، وحيث الحرارة تسجل عشرين درجة مئوية. الرجاء عدم فك الحزام إلا عند الهبوط النهائي. نرجو أن تكونوا قد استمتعتم برحلتكم مع طيران الإمارات، على أمل خدمتكم مرة أخرى". حطت الطائرة على أرض الوطن بعد أن طارت بنا في الفضاء أكثر من أربع ساعات، وبعد أن حلّقنا بروحنا وكياننا عاليًا فوق الوجود وبالقرب من وجه السماء الذي لا يُرى ولا ينتهي. اتبعت التعليمات التي تلقتها أذناي، وتركت حزام الأمان مشدودًا على وسطي حتى تأكدت من أن الطائرة قد توقفت عن التحرك. في تلك الرحلة من فرنسا إلى لبنان، كنت أجلس مع أمي راغدة وأبي بول في قسم الطبقة الاقتصادية، وقد جلس خلفنا شابان لم يكفا عن الكلام على أمور العمل بصوت مرتفع صاخب منعني من الاستمتاع بأي عمل وبأي إغفاءة. نظرت إلى أمي. كانت تغفو هانئة على كتف أبي الأيمن، وكان أبي يضع السماعات السوداء الضخمة على أذنيه، ويغفو بدوره مسندًا رأسه الصغير إلى النافذة البيضاوية التي لم يغلق ستارتها. كيف أرى والديّ نائمين غير متحمسين للوصول إلى لبناني؟ أيقظت بابا بول وماما راغدة قائلة لهما بحماس: "لبناني هنا، هيا بنا". ابتسما لي فرحين لفرحي، متأكدين من سلامة الوصول بعد سفر دام بضع ساعات، ثم قبلاني على جبيني الصغير، وهما يتنهّدان بعمق وقوة. كم طويل وقت انتظار نزول الراكبين المندفعين المتراكضين! بعد ربع ساعة من لحظة الهبوط، وقفت ووالداي، والتقطنا حقائبنا من الخزانة المخصصة للأمتعة التي تقع أعلى مقاعدنا. هذه الخزانة عبارة عن صندوق توضع فيه الأغراض التي لا يزيد وزنها على سبعة كيلوغرامات، كما أن لها رقم تعريف خاصًا بها. كان رقم صندوقنا العلوي: 33E، وقد اخترته بنفسي لأنني قد اخترت المقاعد التي سنجلس عليها عبر الإنترنت. الشهر الماضي، وبعد تناول وجبة العشاء مع بعضنا البعض في غرفة الطعام، أعد أبي مشروبًا ساخنًا مكوَّنًا من حبات الكاكاو الإكوادورية التي حصل عليها من صديقه الأميركي كارلوس صباح ذلك اليوم الفرنسي البارد. فيما كنا نحتسي الكاكاو الدافئ الطازج، فتحت أمي حاسوبها المعروف باللابتوب، وتجوّلت في موقع الطيران الإلكتروني، فاخترنا معًا تاريخ العودة إلى بلدنا الحبيب بفرح كبير وغبطة عظيمة. أما المقاعد فقد اخترتها بعد موافقة أمي وأبي على الأرقام. إليكم تفسير رقم صندوقنا العلوي 33E: الرقم ثلاثة هو رقمي المفضل لأنني ولدت في اليوم الثالث من الشهر الثالث من السنة، أي أنني أحتفل بعيد ميلادي في اليوم الثالث من شهر آذار من كل عام، والحرف المختار E هو أول حرف من اسمي المميز. تم حجز الرحلة عبر موقع الطيران بنجاح، وتمت عملية إرسال تذاكر الطائرة عبر بريد أمي الإلكتروني، فشكرنا أبي على المشروب اللذيذ الذي أعدّه لنا، وشكرنا الله على أنه سمح لنا أن نتخذ قرارًا جديدًا في حياتنا. هذه هي المرة الرابعة التي أركب فيها الطائرة، ولكنني أشعر بأنها المرة الأولى، فها إني أكتشف أرقامًا وأشياء مختلفة لم ألحظها من قبل. كانت رحلتي الأولى في الفضاء من مدينتي بيروت إلى دولة الإمارات العربية المتحدة، رحلة علاجية، كما تعلمون، وكانت رحلتي الثانية بالاتجاه المعاكس بعد فترة العلاج، أي من دولة الإمارات العربية المتحدة إلى مدينتي بيروت. أما رحلتي الثالثة، فإنني لا أحبها كثيرًا على الرغم من حبي الكبير للرقم ثلاثة، وذلك لأنني اتجهت من "مطار رفيق الحريري الدولي" في مدينتي بيروت إلى فرنسا، هربًا من المشاكل التي حدثت معنا في تلك الأيام. وها هي رحلتي الرابعة والأحب إلى قلبي، كونها تجمع بين الحنين والذكريات والطموحات والآلام والأحلام والرفاق والأهل، الرحلة من فرنسا إلى مدينتي بيروت. ناولني والدي العزيز بول حقيبتي الصغيرة، ثم ناول أمي حقيبة أكبر منها فيها بعض الهدايا