ليس التاريخ ما دوّنه المؤرخون وحدهم، بل ما تركوه أيضًا في الظل. ومن هذه المنطقة المعتمة تنطلق الرواية الصادرة عن "دار الفارابي" (2026) "عروس قونيا... محاكمة شمس التبريزي" للكاتبة اللبنانية المولودة في الإسكندرية بمصر رشا مختار دندشلي (1982)، لتعيد النظر في حكاية كيميا وشمس التبريزي وجلال الدين الرومي، وتطرح سؤالا يتجاوز الوقائع نفسها: من يملك حق رواية الماضي، ومن يملك حق الكلام حين تتحدث المصادر عن شخص ما من دون أن تمنحه صوته؟ منذ العنوان، يبدو أن الرواية تتجه إلى محاكمة شمس، لكن المحاكمة الأعمق تتجاوز الرجل إلى الطريقة التي صاغ بها التاريخ ذاكرته، فرفع بعض الشخصيات إلى مرتبة الأسطورة، وترك أخرى في هامش الحكاية. ومن هنا تأتي أهمية كيميا، الفتاة التي ظلت أسيرة ظلال الرجال الأكثر شهرة منها، قبل أن تمنحها الرواية موقعًا مركزيًّا يجعل حياتها وموتها مدخلا إلى مساءلة الذاكرة نفسها. أهم ما تفعله رشا دندشلي هو نقل كيميا من موقع الشخصية الثانوية إلى مركز السؤال الروائي. تدخل كيميا بيت جلال الدين الرومي بحثًا عن الأمان، ثم تجد نفسها في زواج من شمس التبريزي لا يبدو قائمًا على اختيار متكافئ، بل يأتي في سياق محاولة إبقاء شمس في قونيا. وهكذا تدخل الفتاة علاقة تتحكم فيها إرادات الآخرين أكثر مما تحضر فيها إرادتها الخاصة. لكن مأساة كيميا لا تنتهي عند الزواج. فمع تدهور صحتها ووفاتها، يتحول الصمت الذي أحاط بها في حياتها إلى لغز بعد موتها. ويكتسب غياب قبرها أهمية رمزية، إذ يتحوّل البحث عن أثرها إلى بحث عن حقيقة حاولت الذاكرة أن تطمسها. وتقدّم الرواية تفسيرها لموت كيميا من خلال رواية ياقوت، فتتجه المسؤولية في السرد نحو شمس، وتتحول المأساة الشخصية إلى مواجهة أخلاقية. عند هذه النقطة، لا يعود السؤال متعلقًا بكيفية موت كيميا وحدها، بل بمن كان مسؤولا عن مصيرها، ومن عرف، ومن سكت، ومن امتلك القدرة على الكلام ولم يستخدمها. وهنا تبلغ الرواية مفارقتها الأكثر إيلامًا عندما تموت كيميا وتغيب عن الذاكرة، بينما يزداد حضور شمس بعد اختفائه. الضحية تختفي، أما الرجل الذي ارتبط بمأساتها فيتحوّل غيابه إلى أسطورة. وبذلك تصبح "المحاكمة" فعلا روائيًّا لإعادة توزيع الضوء والمسؤولية، لا مجرد استعادة لحادثة من الماضي. لا تبدو الرواية في مواجهة مع التصوّف بقدر ما تضع التجربة الروحية أمام اختبار إنساني. فالرومي وشمس يتحركان في فضاء البحث عن المعرفة والتحوّل والنور، لكن الرواية تسأل، في المقابل، عن الإنسان الذي قد يدفع ثمن هذا البحث. وتُحسب للرواية محاولتها الاقتراب من شمس والرومي بوصفهما بشرًا يتحركان داخل شبكة من الرغبات والتوترات، لا بوصفهما صورتين مثاليتين منفصلتين عن الطبيعة الإنسانية. وتبدو كيميا في بعض مواقفها قريبة من وعي الإنسان المعاصر، خصوصًا في مسائل الذات والاختيار والحق في رواية التجربة الشخصية. وقد يرى بعض القراء في ذلك ابتعادًا عن منطق الرواية التاريخية، بينما يمكن اعتباره خيارًا فنيًّا مشروعًا، ما دام السرد قادرًا على جعل الشخصية مقنعة داخل زمنها، لا مجرد شخصية معاصرة ترتدي ثياب الماضي. وإذا كانت كيميا تمثّل جرحًا تركه الماضي من دون صوت، فإن ياسمين تمثّل جرحًا لا يزال حيًّا في الحاضر. تبدأ حكايتها في بيروت عام 2023، حيث تصل إلى عيادة نفسية بعد محاولة انتحار، حاملة آثار سنوات من العمل في توثيق الحروب والضحايا. تعمل ياسمين في الأفلام الوثائقية، أي في مساحة تقوم على تسجيل الواقع، لكن تجربتها تكشف أن تسجيل الحدث لا يعني تسجيل التجربة الإنسانية كاملة. فبين ياسمين وكيميا صلة عميقة، إذ إنّ كلتيهما تواجهان مشكلة الصوت والذاكرة: الأولى تكاد تفقد صوتها الداخلي تحت وطأة ما صورته، والثانية حُرم صوتها في المصادر التي تحدثت عنها. ومن خلالهما تلتقي الرواية مع سؤال راهن حول حدود التوثيق، وقدرة الصورة والوثيقة على احتواء الإنسان. الرواية لا تقدّم نفسها بوصفها وثيقة نهائية عن كيميا وشمس والرومي، بل تستثمر المادة التاريخية لتدخل إلى المناطق التي تعجز الوثيقة عن الوصول إليها: الاحتمال، والمشاعر، والصمت، وما كان يمكن أن يكون. وهذا هو امتياز الرواية ومصدر مخاطرتها في الوقت نفسه. كيميا التي نقرأها هي، في النهاية، كيميا الرواية، شخصية أعاد الخيال بناءها انطلاقًا من شذرات تاريخية وصمت طويل. ومن هذه الزاوية، لا تعيد الرواية كتابة التاريخ بقدر ما تعيد ترتيب علاقتنا به، وتطرح الأدب بوصفه مساحة لاستعادة الأسئلة التي لم تحفظها الوثائق. تُحسب للكاتبة قدرتها على الجمع بين التحليل النفسي والرؤية الصوفية والأسئلة الفلسفية المتعلقة بالموت والقدر والحرية والإيمان. لكن هذه الكثافة الفكرية تمثّل أيضًا أحد مواضع المخاطرة الفنية. ففي بعض المواضع، تتقدّم الفكرة على الحدث، وتتكرّر بعض المعاني ب