لطالما توقّف كثيرون منّا، عشّاق السينما اللبنانية، وتحديدًا سينما مارون بغدادي، عند أفلامه، وتأمّلوا عوالمها وشخصياتها، وتساءلوا عمّا كان يدور خلف الكاميرا، في المساحة الحميمة التي تفصل بين الحياة والفيلم. لكنّ سؤالا آخر ظلّ يرافق فضولنا: مَن كانت السيدة التي شاركته الشاشة في فيلمه "حروب صغيرة" (1982)، ورافقته في الحياة خارجها، وظلّت شريكة حكايته حتى رحيله؟ مَن هي ثريا بغدادي، المرأة التي حضرت في حياة أحد أبرز مخرجي لبنان، فيما بقيت حكايتها الشخصية، إلى حدّ بعيد، خلف ستار صورته السينمائية؟ اليوم، يأتي الفيلم الوثائقي "Souraya Mon Amour" للمخرج نيكولا خوري ليفتح نافذة على هذه الحكاية المؤجّلة، ويمنح ثريا المساحة كي تتكلّم، وتتذكّر، وتعيد النظر في ماضٍ لم ينتهِ تمامًا. إنّه لقاء مع امرأة لا تستعيد حبًّا غائبًا فحسب، بل تستعيد نفسها أيضًا، في مواجهة الذاكرة وسلطة الصورة وظلال الأسطورة. في وثائقيّه الحميم، لا يكتفي نيكولا خوري باستعادة قصّة حب جمعت ثريا بغدادي بالمخرج الراحل مارون بغدادي. يذهب خوري أبعد من سيرة امرأة أحبّت سينمائيًا استثنائيًا، ليمنحها المساحة التي تستحقّها كي تستعيد صورتها وصوتها وحياتها خارج ظلّه. ثمّة أفلام تستعيد مَن فقدناهم، وأخرى تستعيد ما تركه هؤلاء فينا. بين هذين المسارين، ينسج خوري فيلمه الوثائقي في 81 دقيقة من التأمّل والذاكرة والبوح. معه لا يبدو الماضي زمنًا انقضى بقدر ما يبدو مادّة حيّة قابلة لإعادة الاكتشاف، فيما يتحوّل الحبّ من حكاية شخصية إلى سؤال سينمائي عن الذاكرة والهويّة وما يبقى من الإنسان حين يغيب جسده. لكنّ المدخل الأكثر إثارة في الفيلم ليس استحضار مارون بغدادي، أحد أبرز الأسماء في السينما اللبنانية، بل إصرار ثريا بغدادي على ألا تُختزل في صفة أرملة المخرج الكبير. من هذه المسافة النقدية تحديدًا، يبدأ الفيلم في تفكيك الصورة الجاهزة التي كثيرًا ما تصنعها الذاكرة الثقافية عن النساء اللواتي عشن إلى جانب رجال كرّست لهم السينما مكانة استثنائية. بذلك، لا تريد ثريا أن تنحني أمام أسطورة زوجها، ولا أن تتحوّل إلى هامش عاطفي في سيرته، بل تريد أن تكون الشخصية الرئيسية في حكايتها، لا الشخصية الثانوية في حكاية رجل آخر. كما يختار المخرج نيكولا خوري مقاربة تتجاوز منطق الفيلم التكريمي التقليدي، الذي غالبًا ما يضع بطله الراحل على منصّة التمجيد، ويستدعي الشهادات والصور لتثبيت مكانته. عوضًا عن ذلك، يقترب من مارون عبر نظرة ثريا إليه. هو الزوج والحبيب والإنسان الذي لا يمكن للأرشيف وحده أن يستعيد تناقضاته وهشاشته وتفاصيل حياته اليومية. وفي ذلك، تتجلّى قيمة الفيلم في تفكيك الأسطورة وإعادة أنسنتها. فالمخرج الراحل لا يفقد مكانته الفنية، لكنّه يخرج من إطار الأيقونة الجامدة ليعود شخصًا عاش علاقة لها تفاصيلها وأسرارها وأسئلتها المفتوحة. في المقابل، تتحرّر ثريا تدريجيًا من موقع الشاهدة على حياة الآخرين، لتصبح صاحبة رواية وذاكرة ووجهة نظر. إنّه انتقال دقيق من السيرة البيوغرافية إلى البورتريه النفسي، ومن سرد الوقائع إلى مساءلة الطريقة التي نتذكّر بها الأشخاص الذين نحبّهم. يعتمد الفيلم على توليفة بصرية وسردية تجمع الأرشيف الشخصي والمراسلات والمقابلات ومقاطع من أعمال مارون بغدادي، ولا سيما "حروب صغيرة"، الذي يوثّق اللقاء الأوّل بين الزوجين. غير أنّ أهمية هذه المواد لا تكمن في قيمتها التوثيقية فحسب، بل في الطريقة التي تتحوّل بها إلى مونتاج للذاكرة. معها تتجاور الصورة القديمة مع التأمّل الراهن، ويكتسب الماضي معنى جديدًا من خلال الحاضر. ويصبح الأرشيف أكثر من مستودع للصور. يصبح شريكًا في السرد، ووسيطًا بين زمنين، وأداة لاستحضار ما لا تستطيع الذاكرة وحدها الإمساك به. فالصورة السينمائية التي وُلدت يومًا لتروي حكاية تعود اليوم محمّلة بطبقة إضافية من الدلالة، إذ نراها ونحن نعرف ما حدث بعدها، ونقرأ في تفاصيلها ظلال الفقد التي لم تكن مرئية لحظة تصويرها. أمّا الحوار عن بُعد بين خوري وثريا، فيمنح العمل ملمحًا معاصرًا لافتًا، ويجعل المسافة الجغرافية جزءًا من لغته الشكلية. تتشكّل العلاقة بين المخرج وشخصيّته عبر الإصغاء والثقة، بعيدًا عن حضور طاقم تصوير تقليدي يفرض إيقاعه على اللحظة الحميمة. بذلك، لا تكتفي اللغة الوثائقية بنقل الحكاية، بل تصبح جزءًا من موضوعها. كما تكشف كيف يمكن للسينما أن تقترب من الإنسان من دون أن تستولي على خصوصيّته. ولأنّ ثريا فنّانة راقصة وممثّلة، لا تنحصر ذاكرتها في الكلمات والصور؛ فالجسد نفسه يحمل آثار التجربة. من هنا، يكتسب الرقص دلالته بوصفه شكلا من أشكال التعبير يتجاوز اللغة المنطوقة، ويتيح قراءة العلاقة بين الحضور والغياب، وبين ما يمكن قوله وما يظلّ عصيًّا على الكلام. لا يتعامل الفيلم مع الحداد بوصفه حالة