من خلافات المرور إلى إطلاق النار: كيف تحوّلت شوارع لبنان إلى ساحات للمواجهة؟ 22 تشرين الأول 2026 · 01:04 ص قراءة في 4 دقائق حجم الخط لم تعد بعض الخلافات المرورية في لبنان تنتهي بتبادل الشتائم أو بتسوية بسيطة بين السائقين؛ بل تحوّلت في حالات خطيرة من مشادة على أسبقية المرور أو ركن السيارة إلى اعتداء جسدي أو إطلاق نار، يعرّض أطراف النزاع والمارة لخطر لا يتناسب إطلاقاً مع السبب المُشعل للخلاف. وتطرح هذه الحوادث أسئلة تتجاوز تنظيم السير: ما الذي يجعل خلافاً يومياً قابلاً للتحوّل إلى مواجهة عنيفة؟ وإلى أي مدى يسهم انتشار السلاح وضغط الظروف المعيشية وضعف الردع في جعل الشارع مساحة لتصفية الحسابات الشخصية؟ وقد شهدت مناطق لبنانية عدة سلسلة من الإشكالات العنيفة خلال فترة زمنية متقاربة. وتكمن خطورتها في طبيعة التصعيد؛ إذ لم تبقَ الخلافات في حدود الملاسنة الكلامية، بل تطورت إلى استخدام الأسلحة والأدوات الحادّة، مما أسفر عن إصابات واستدعى تدخّل القوى الأمنية. ففي صيدا (تقاطع سهل الصباغ)، اندلع إشكال إثر خلاف على أسبقية المرور تطور إلى إطلاق نار وإصابة مواطن نُقل للمستشفى، وسط حالة من الذعر وعرقلة السير. وفي بيروت (شارع عفيف الطيبة بطريق الجديدة)، وقع إشكال جماعي تخالله تضارب بأدوات حادّة إثر مشاحنة مرورية وسقوط جرحى قبل تدخّل الجيش. وامتدت الحوادث إلى طرابلس بإطلاق نار نحو مغسل سيارات في شارع الحرية، وإشكال آخر بالميناء (شارع السبيل الدنا) أدّى لسقوط جريحين أحدهما بحالة حرجة. وفي الكورة، شهدت بلدة كفرعقا عراكاً بالعصي على أسبقية المرور وركن مركبة تسبب بجروح خطيرة في الوجه والرأس، كما شهد أوتوستراد جونية عراكاً إثر حادث سير قبل تدخّل الأمن. لا تكمن خطورة الخلافات المرورية في أسبابها المباشرة كالأسبقية أو ركن المركبة، بل في طريقة التعامل معها؛ فما يبدأ باعتراض قد يتحوّل إلى تحدٍّ متبادل حين يعتبر أحد الطرفين أن التراجع إهانة شخصية والانكسار انتقاص من كرامته. في هذه اللحظة، يتراجع المنطق لمصلحة نزعة الانتقام وإثبات القوة، فيتحوّل الكلام إلى تهديد واشتباك جسدي أو مسلّح، رغم بساطة الخلاف وقابليته للحل. والمفارقة أن الإصرار على الانتصار في مشادة عابرة يفضي إلى نتائج لا يمكن التراجع عنها، من إصابات بالغة إلى تبعات جنائية تطاول مستقبل المتورطين. والتعامل مع الطريق كساحة لفرض الإرادة يرفع احتمال التصعيد خصوصاً عند الرد على الاستفزاز بمثله. لا يقتصر العنف المروري على الاشتباكات البارزة، بل يبدأ بسلوكيات يومية كقطع الطريق، والالتصاق بالمركبة الأمامية، ومنع التجاوز، واستخدام المنبه باستفزاز، أو التهديد اللفظي والجسدي. ورغم أنها قد تبدو أقل خطورة من الاعتداء المسلح، إلّا أنها تخلق مناخاً متوتراً يزيد احتمالات التصادم. فالسائق الذي يتعمّد مضايقة الآخرين يهدّد سلامة مستخدمي الطريق جميعاً. وتزداد المشكلة حين يُنظر للطريق كمجال لفرض الأفضلية بالقوة لا مساحة مشتركة؛ لذا يجب ألا تقتصر الرقابة على المخالفات الفنية، بل تمتد لتطبيق القانون على السلوكيات العدوانية. ولا يمكن فصل هذه السلوكيات عن الواقع الاقتصادي والنفسي الضاغط؛ فالأزمات المعيشية والمالية تجعل التوتر النفسي في أقصى درجاته. يُضاف إلى ذلك تهالك البنية التحتية: شوارع تفتقر للتخطيط وغياب الإشارات والمواقف المنظمة والحفر المفاجئة. فتتضافر هذه العوامل لتجعل القيادة تجربة شاقة ومستفزة، وتصبح المشادة المرورية مجرد شرارة تفجّر ضغوطاً تراكمية لا علاقة لها بأسبقية المرور. يكتسب التصعيد خطورة أكبر حين يكون أحد الأطراف مسلّحاً؛ فوجود السلاح يحوّل المشادة المقبولة للاحتواء إلى مواجهة قد تنتهي بإصابات أو قتلى وتعرّض المارة للخطر. ولا يمكن تبرير استخدام السلاح كرد فعل على استفزاز لفظي؛ فالأسبقية تُحسم بالقانون والنزاع المادي يُعالج عبر الشرطة والتأمين والقضاء. وتتضاعف الخطورة حين يقترن السلاح بالغطاء الحزبي أو العشائري؛ فثقة المعتدي بوجود «شبكات أمان» تحميه تُسقط الردع العام، وتشعره بأن الوساطات قادرة على تحويل الاعتداء إلى صلح عشائري عابر. ومن هنا، فإن المعالجة تتطلب ضبط الأسلحة غير المشروعة ومحاسبة من يهدّد الحياة أو يطلق النار، مع التمييز الدقيق بين السلاح المرخص وغير المرخص وحيازته واستخدامه في جريمة. تبرز أهمية كاميرات المراقبة والمركبات في توثيق الوقائع وتحديد المسؤوليات عند تضارب الروايات. لكن فاعليتها ترتبط بحفظ التسجيلات واستخدامها وفق الأصول القانونية. والتوثيق لا يكفي إن لم تتبعه استجابة أمنية وقضائية تُلاحق المسؤولين. ولا تُقاس فاعلية المواجهة الأمنية بآليات التوقيف الفوري بل بتحويلها إلى مسار قضائي واضح. وتزداد الصورة تعقيداً مع تراجع ثقة المواطن بسرعة المسار القضائي، ما يدفع البعض لممار