فشل نظام ما بعد الطائف... هل لبنان بلد قابل للإصلاح؟ (1) 22 تشرين الأول 2026 · 01:06 ص قراءة في 7 دقائق حجم الخط د. علي فاعور* «هذا البلد غير قابل للإصلاح»... بهذا التصريح، الذي نقلته صحيفة «الأخبار» عام ٢٠١٨، انتقد السفير بيار دوكان، المكلّف متابعة تنفيذ مقرّرات مؤتمر «سيدر»، تعثّر الإصلاحات التي التزم بها المسؤولون اللبنانيون. ويطرح التصريح سؤالاً أساسياً: لماذا تعاقبت الخطط والقوانين والمبادرات الدولية، بينما استمر تعطيل المعالجة؟ تبحث الدراسة دور المحاصصة في توزيع السلطة والموارد وإضعاف التنفيذ والمساءلة، بمقارنة الالتزامات بنتائجها، استناداً إلى الوثائق المتاحة حتى ٧ تشرين الأول ٢٠٢٦. أعاد اتفاق الطائف توزيع الصلاحيات داخل السلطة، لكن الممارسة اللاحقة جعلت التوافق السياسي يتجاوز، في حالات عديدة، حدود المشاركة إلى اشتراط موافقة القوى الحاكمة قبل اتخاذ القرار. فالمادة ٦٥ من الدستور تمنح التوافق الأولوية داخل مجلس الوزراء، وتتيح التصويت عند تعذّره، بأكثرية الحاضرين، مع اشتراط موافقة ثلثي أعضاء الحكومة في المواضيع الأساسية. وبذلك، لا تفرض إجماعاً دائماً على جميع القرارات. وتكمن المشكلة في تحويل موافقة الأطراف إلى شرط يقيّد عمل المؤسسة؛ فتعليق القرار بسبب المعارضة السياسية يضيّق مساحة التصويت والمحاسبة، ويربط العمل بتسويات بين القوى. تكتسب المحاصصة أثرها الاقتصادي عندما يتحوّل الموقع العام إلى وسيلة للتحكم بالتعيينات والتعاقدات وتوجيه الإنفاق. عندئذ تتداخل وظيفة المؤسسة في خدمة المجتمع مع دورها في تثبيت نفوذ القوى التي تتحكم بها، وتتراجع معايير الكفاءة والحاجة العامة أمام اعتبارات الولاء والتوازن السياسي. ويمتدّ تشابك السياسة والأعمال إلى المؤسسات الاقتصادية. فقد عرضت دراسة منشورة عام ٢٠١٩ أن ٤٤٪ من الشركات التي يزيد عدد العاملين فيها على خمسين شخصاً كانت مرتبطة سياسياً، وفق معيار وجود قريب أو صديق مقرّب لأحد أفراد النخبة السياسية في مجلس إدارتها. تقدّم حصيلة العمل البرلماني خلال ٢٠١٨–٢٠٢٢ شاهداً على هذه الفجوة: فقد عقدت اللجان الدائمة في مجلس النواب ٨٣٠ اجتماعاً، واللجان المشتركة ٨٢ اجتماعاً، بمجموع ٩١٢ اجتماعاً. ومع ذلك، لم تُنجز اللجان المشتركة تسوية بشأن «الكابيتال كونترول»، ولم يعقد مجلس النواب سوى جلسة رقابية واحدة خلال الولاية المدروسة، بحسب المرصد البرلماني التابع للمفكرة القانونية، وهو مبادرة مستقلة ترصد التشريع والرقابة وأداء مجلس النواب. تتّضح حدود الإصلاح حين يُقرّ القانون، ثم تُعرقل الحقوق التي ينشئها. ومن الأمثلة رفض الأمانة العامة لمجلس الوزراء، في حزيران ٢٠١٩، تزويد جمعيتَي «المفكرة القانونية» و«كلنا إرادة» بمستندات متعلّقة بمعمل دير عمار، متذرّعة بعدم صدور المرسوم التطبيقي لقانون حق الوصول إلى المعلومات وعدم تشكيل الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد. فحجب المستندات يضعف إمكان مراجعة أسس التعاقد واستخدام المال العام. ويتكرّر انفصال التشريع عن التنفيذ في ملف النفايات؛ إذ وُثّق استمرار الحرق المكشوف في مواقع خلال تشرين الأول ٢٠١٨، بعد إقرار قانون إدارة النفايات في أيلول من العام نفسه. فتطبيق القانون يحتاج رقابة وعقوبات. أُعدّت رؤية لبنان الاقتصادية بواسطة ماكنزي (McKinsey & Company) عام ٢٠١٨، وأعلنت وزارة الاقتصاد والتجارة نشرها في كانون الثاني ٢٠١٩. وشملت تطوير الزراعة والصناعة والسياحة والخدمات المالية واقتصاد المعرفة، إضافة إلى البنية التحتية وبيئة الأعمال وآليات مأسسة التنفيذ. وتربط الرؤية النمو بتطوير الإنتاج والتصدير وفرص العمل. ثم غياب التخطيط وعدم تنظيم استخدامات الاراضي في مختلف المناطق اللبنانية ( الخريطة المرفقة من كتاب د. علي فاعور: سنوات الانهيار الكبير 2019-2025، صفحة 480). انعقد مؤتمر «سيدر» في ٦ نيسان ٢٠١٨، لدعم الاقتصاد اللبناني وتمويل تطوير البنية التحتية، مقابل التزام الحكومة بإصلاحات مالية وإدارية وقطاعية. وتجاوزت التعهّدات التمويلية ١١ مليار دولار، معظمها قروض؛ وهي موارد معلنة لتمويل مشاريع وإصلاحات، ولا تعادل هذه المبالغ أموالاً صُرفت أو مشاريع أُنجزت. وتضمّن الإعلان المشترك التزاماً بتصحيح مالي مقداره خمس نقاط مئوية من الناتج المحلي خلال خمس سنوات، من خلال إجراءات على الإيرادات والنفقات، ومنها تقليص التحويلات إلى مؤسسة كهرباء لبنان. كما شملت الالتزامات تحسين الحوكمة والمشتريات العامة وإدارة الاستثمار، وإصلاح الكهرباء والمياه والنفايات. بعد الانهيار، انتقلت الأولوية إلى الاعتراف بالخسائر ومعالجة الدين وإعادة هيكلة القطاع المالي، لكن الخلاف حول تقدير الخسائر وتوزيعها أعاق بلورة خطة تعافٍ مشتركة. وقد انتقد تقييم العمل البرلماني للفترة ٢٠١٨–٢٠٢٢ اعتراض لجنة تقصّي الحقائق المالية على تقد