ينقسم مشهد المنطقة أكثر فأكثر. تتضح بعض الأجزاء من الصورة، لكنها تتعقد بشكل أكبر. وما يضيف على الصور المزيد من التعقيد، بعض المفارقات أو المصادفات. ففي اليوم الذي اتجه فيه رئيس الجمهورية جوزاف عون إلى اليونان، أعلنت إسرائيل توقيع اتفاق دفاعي مشترك معها بقيمة 3 مليار و600 مليون دولار، وقد علق رئيس الوزراء الإسرائيلي على هذا الاتفاق بأنه نتاج لتحالف دول شرق المتوسط الذي عملت إسرائيل على إنشائه في العام 2016 وأنه يندرج في إطار رسم صورة الشرق الأوسط الجديد. وللمفارقة أيضاً أنه في اليوم نفسه يزور وفد رسمي لبناني دولة الإمارات العربية المتحدة للبحث في تعزيز التعاون في مجالات مختلفة على صعيد المؤسسات الرسمية للدولة، وجاء ذلك بعد زيارة وفد كبير من رجال الأعمال الإماراتيين في بيروت والبحث في الدخول بمشاريع واستثمارات مع القطاع الخاص. فالإمارات إحدى الدول الرئيسية في تحالف شرق المتوسط، الذي يضم إلى جانب اسرائيل وقبرص واليونان، إيطاليا أيضاً كما أن مصر كانت جزءاً منه، قبل ذهاب إسرائيل باتجاه تحالف طريق الهند. في المشهد الآخر من الصورة، تزامن الاتفاق الإسرائيلي اليوناني، مع الإعلان الرسمي لتحالف مكة الدفاعي في اجتماع عقده المسؤولون من تركيا، المملكة العربية السعودية وباكستان. وقد كانت مواقف وزير الخارجية التركي واضحة حول مخاطر المشروع الإسرائيلي في المنطقة ووجوب دفاع دولها عن نفسها بمواجهة هذا المشروع الذي يقوده نتنياهو ويشكل خطراً على الجميع. أعطت هذه الدول طابع الدفاع لتحالفها، وهي تريد عدم تجدد الحرب في المنطقة، وعدم إسقاط النظام الإيراني، ووضع حد للتوسع الإسرائيلي. يُفترض أن تكون الولايات المتحدة الأميركية هي ضابط الإيقاع بين التحالفين، لأن دولهما ترتبط بعلاقات تحالفية واستراتيجية معها. كانت الولايات المتحدة الأميركية هي من دعمت تأسيس مشروع تحالف شرق المتوسط في العام 2016، وكان دونالد ترامب أكثر المتحمسين له في ولايته الأولى إلى جانب سعيه لإنجاز "صفقة القرن" والاتفاقات الإبراهيمية. فيما بعد تراجعت إدارة الرئيس الأميركي جو بايدن عن هذا التحالف لصعوبة تحقيق المرجو منه، لأن منطلقه كان بناء أنابيب غاز من إسرائيل باتجاه أوروبا. بالتزامن كانت تركيا تطمح لمشروعها وهو أن تتحول هي إلى منطلق لتصدير الغاز نحو أوروبا عبر أنبوب نفطي جاهز يصل إلى بلغاريا. أما المفاعيل السياسية لمثل هذا التحالف بقيت ثابتة لدى الأميركيين وهو دمج المنطقة بإسرائيل وإدخال المزيد من الدول. بعد سنوات تراجعت واشنطن عن المشروع لصالح "تحالف طريق الهند"، الذي أرادته مشروعاً يغير موازين التجارة والنفط على مستوى العالم، من خلال مشروع لبناء سكك حديد وممرات برية وبحرية من الهند إلى دول الخليج ومنها إلى إسرائيل باتجاه أوروبا عبر البحر المتوسط، اليونان وقبرص ضمناً. بعيد الإعلان عن هذا المشروع، اندلعت الحرب على غزة إثر عملية 7 أكتوبر. الصين، باكستان، إيران، تركيا ومصر هي أكثر الدول التي تضررت من مشروع "طريق الهند" فالصين اعتبرته تطويقاً لها، وقطعاً لمشروعها "الحزام والطريق". باكستان استشعرت الخطر لأن مثل هذا المشروع يقوي الهند وتحالفاتها. إيران، اعتبرته تهديداً، وأيقنت أنه يستهدفها سياسياً وعسكرياً واقتصادياً من خلال محاولة إلغاء دور مضيق هرمز. تركيا وضعته في خانة استبعادها عن إعادة تشكيل المنطقة وموازين القوى فيها، كما أنه يستثنيها من طرق التجارة وممرات النفط والغاز، بينما تستفيد منه اليونان وقبرص، أما مصر فأيضاً اعتبرته إضعافاً لدورها وتغييباً لها وإنهاءاً للدور المحوري الذي تلعبه قناة السويس على مستوى التجارة العالمية. في الصراع بين هذه المشاريع، وعلى الطرق والممرات. حصلت متغيرات كثيرة، اندلعت الحرب المستمرة إلى اليوم، سقط نظام بشار الأسد، ودخلت سوريا في مرحلة جديدة من التحول والانفتاح على العالم، وأصبحت قبلة للاستثمارات وخصوصاً في مجال البنى التحتية المتعلقة بممرات التجارة والنفط والغاز. شكلت سوريا محوراً استراتيجياً بالنسبة إلى هذه المشاريع، الأمر الذي يتعارض استراتيجياً مع المشروع الإسرائيلي. فإسرائيل تريد سوريا ممزقة، ضعيفة وغارقة في صراعات لا تنتهي وحرب أهلية لا تمنحها أي استقرار وأي فرصة للاستثمار. دخلت تركيا بقوة إلى سوريا التي لقيت احتضاناً عربياً أيضاً، وبرزت طموحات كثيرة واتفاقات منها طريق الحجاز القديم، ومنها مشاريع طاقوية مشتركة مع العراق ومع دول الخليج وصولاً إلى تركيا. هذا ما تزال إسرائيل تواجهه وتسعى إلى تعطيله وتخريبه. نتنياهو و"الراديكالية السنّية" خرج بنيامين نتنياهو ليعلن عزمه على تغيير وجه المنطقة وتوسيع التحالف وتكبير حدود إسرائيل وتأثيرها الأمني، السياسي، العسكري، والاقتصادي. خاض حروبه ولا يزال، وأعلن ذات مرة أنه وجه ضربة لإيران وحلفائها بهدف إنهاء مشر