تعود الجهود الدبلوماسية لإنهاء الحرب الروسية الأوكرانية إلى الواجهة، مع إعلان الكرملين موافقة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين "من حيث المبدأ" على استئناف المفاوضات الثلاثية مع أوكرانيا والولايات المتحدة بعد 10 تشرين الثاني، في تطور يأتي عقب لقائه المبعوث الأميركي ستيف ويتكوف في مدينة سان بطرسبورغ، وسط مساعٍ تقودها إدارة الرئيس دونالد ترامب لإعادة تحريك المسار السياسي ووضع حد للحرب المستمرة منذ شباط 2022. ويأتي هذا الإعلان في أعقاب سلسلة من الاتصالات الدبلوماسية، شملت لقاء ويتكوف بالرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي وعدد من القادة الأوروبيين في العاصمة النرويجية أوسلو، قبل توجهه إلى روسيا. ووفق ما نقلته وسائل إعلام أميركية، أبدى الطرفان اهتماماً بإعادة تنشيط الجهود الرامية إلى التوصل إلى تسوية، فيما تحدث الرئيس الفنلندي ألكسندر ستوب عن إحراز تقدم في اجتماع أوسلو، من دون أن يعني ذلك التوصل إلى تفاهم نهائي بشأن شروط إنهاء الحرب. وبحسب مستشار السياسة الخارجية في الكرملين يوري أوشاكوف، فإن المفاوضات المرتقبة ستتناول بناء إطار أمني لروسيا وأوكرانيا في مرحلة ما بعد الحرب، فيما برزت أبوظبي بوصفها موقعاً محتملاً لاستضافة الجولة الجديدة. لكن هذا التطور، على أهميته الدبلوماسية، لا يعني أن موسكو وكييف باتتا أقرب بالضرورة إلى اتفاق، خصوصاً أن الملفات التي عطّلت الجولات السابقة لا تزال تشكل العقبة الرئيسية أمام أي تسوية. ما الذي تغيّر منذ تعثّر المفاوضات في شباط؟ لم تتمكن الجولات الثلاثية التي عُقدت في أبوظبي وجنيف خلال كانون الثاني وشباط من تحقيق اختراق جوهري في القضايا الأساسية، رغم إحراز تقدم محدود في ملفات، أبرزها تبادل الأسرى. فقد بقي الخلاف بشأن الأراضي والضمانات الأمنية ومستقبل أوكرانيا العسكري والسياسي قائماً، فيما استمرت العمليات القتالية والهجمات المتبادلة على الرغم من التحركات الدبلوماسية. أما الجديد في التحرك الحالي، فيتمثل في تجدد الاتصالات على مستوى المبعوث الأميركي، بالتوازي مع لقاءات مع مسؤولين روس وأوكرانيين وأوروبيين، في محاولة لإعادة بناء أرضية مشتركة تسمح باستئناف الحوار. كذلك، يبدو أن التركيز يتجه نحو بحث الترتيبات الأمنية لما بعد الحرب، إلى جانب مصير الأراضي المحتلة وإمكان التوصل إلى وقف لإطلاق النار. وتسعى واشنطن إلى دفع الطرفين نحو صيغة تتيح وقف القتال، إلا أن إعادة إطلاق المفاوضات لا تعني أن شروط التسوية أصبحت أكثر قابلية للتوافق. فالمؤشر الحقيقي على حدوث تغيير سيكون في مدى استعداد موسكو وكييف لمراجعة مواقفهما، أو قبول ترتيبات جديدة بشأن القضايا التي بقيت عالقة في الجولات السابقة. وبالتالي، فإن السؤال لا يتعلق فقط بإمكان انعقاد جولة جديدة، بل بقدرتها على الانتقال من تبادل المواقف إلى مناقشة تنازلات متبادلة وآليات واضحة لتنفيذ أي اتفاق محتمل. الأراضي والضمانات الأمنية… العقدة الأصعب يبقى ملف الأراضي في صلب الخلاف بين موسكو وكييف. فروسيا تتمسك بمطالبها المتعلقة بالمناطق التي تسيطر عليها قواتها، فيما تؤكد أوكرانيا تمسكها بسيادتها ووحدة أراضيها، وترفض أن تتحول نتائج العمليات العسكرية إلى أساس لتسوية تكرّس تغيير الحدود بالقوة. وفي هذا السياق، تبرز مسألة تجميد القتال عند خطوط المواجهة الحالية باعتبارها أحد الخيارات المطروحة للنقاش. وقد قال زيلينسكي إن تجميد الحرب يشكل الحد الأدنى المطلوب من روسيا لإنهاء القتال، في موقف يعكس اهتمام كييف بوقف العمليات العسكرية، من دون أن يعني ذلك حسم الخلاف بشأن الوضع النهائي للأراضي المحتلة. لكن تجميد خطوط المواجهة، حتى لو تحقق، لن يحل تلقائياً مسألة السيادة على الأراضي، كما لن يضمن وحده عدم تجدد الحرب. إذ يتطلب أي اتفاق تحديد طبيعة الترتيبات الميدانية، وآليات مراقبة الالتزام بها، والجهات التي ستتولى التحقق من تنفيذها. أما الضمانات الأمنية، فتمثل ملفاً لا يقل تعقيداً. إذ تريد كييف ضمانات موثوقة تحول دون تعرضها لهجوم جديد بعد انتهاء الحرب، فيما تعارض موسكو انضمام أوكرانيا إلى حلف شمال الأطلسي "الناتو"، وتتحفظ على وجود قوات غربية على الأراضي الأوكرانية. وهنا تبرز معضلة أساسية: كيف يمكن توفير ضمانات أمنية كافية لأوكرانيا من دون الوصول إلى صيغة ترفضها روسيا؟ وهل ستكون هذه الضمانات سياسية أم عسكرية، وما مدى إلزاميتها، وكيف ستُنفذ في حال انتهاك الاتفاق؟ هذه الأسئلة ستحدد إلى حد كبير قدرة أي مفاوضات جديدة على تجاوز مرحلة تبادل المقترحات والانتقال إلى تفاهمات قابلة للتطبيق. هل تستطيع واشنطن تقريب وجهات النظر؟ تحاول إدارة ترامب استثمار اتصالاتها مع موسكو وكييف لإعادة إطلاق المسار التفاوضي، مستفيدة من دور ويتكوف في نقل المقترحات بين الجانبين. لكن الوساطة الأميركية تواجه اختباراً يتمثل ف