انتهت واحدة من أغرب قصص الاحتيال في العقود الأخيرة بوفاة نواه موسينغكو، الرجل الذي لم يكتفِ بخداع آلاف المستثمرين وجمع ملايين الدولارات، بل أعلن نفسه ملكًا، أسس "مملكة" خاصة به، أنشأ ميليشيا مسلحة لحمايته، وطبع أوراقًا نقدية حمل بعضها صورته. وبحسب تقرير نشره موقع "القناة 12" الإسرائيلية، توفي موسينغكو الأسبوع الماضي عن عمر 62 عامًا، بعد مرض استمر أكثر من 3 أسابيع، داخل المنطقة التي حوّلها إلى ما يشبه "مملكته" الخاصة في جنوب جزيرة بوغانفيل التابعة لبابوا غينيا الجديدة. وأُعلن نبأ وفاته أولًا عبر صفحة حركة استقلال بوغانفيل على "فيسبوك"، قبل أن تُنشر لاحقًا صور من جنازته، ظهر فيها رجال يرتدون الزي العسكري وهم ينزلون نعشه إلى القبر أمام عدد محدود من الحاضرين. وأكد وفاته أيضًا تيموثي ماسيو، ممثل جنوب بوغانفيل في برلمان بابوا غينيا الجديدة. وقال ماسيو، في تصريحات نقلتها هيئة البث الأسترالية، إن جثمان موسينغكو احتُفظ به لمدة 3 أيام قبل دفنه يوم السبت. وكان ماسيو قد درس سابقًا في المدرسة نفسها التي درس فيها موسينغكو، وقال إن نبأ وفاته أثار مشاعر متباينة في أنحاء بوغانفيل. وأضاف: "لكل شخص أحلام، ونواه كان لديه حلمه الخاص. أعتقد أنه لو سلك الطريق الصحيح، لكان من الممكن أن يتحقق هذا الحلم". وبدأت قصة موسينغكو في أواخر تسعينيات القرن الماضي، عندما أسس في بورت مورسبي، عاصمة بابوا غينيا الجديدة، شركة استثمارية باسم U-Vistract. ووعدت الشركة المستثمرين بعائد يكاد يكون غير قابل للتصديق يصل إلى 100% شهريًا، أي مضاعفة أموالهم كل شهر. وفي البداية، بدا أن الوعود تتحقق بالفعل، إذ حصل المستثمرون الأوائل على العوائد التي وُعدوا بها، وسرعان ما انتشرت أخبار إمكانية تحقيق ثروة سريعة. لكن خلف هذه الأرباح كانت تقف عملية احتيال من نوع "بونزي"، تُستخدم فيها الأموال التي يودعها المستثمرون الجدد لدفع الأرباح للمستثمرين السابقين، بدل أن تأتي العوائد من استثمارات حقيقية مربحة. وجذبت النجاحات الأولى آلاف الأشخاص، الذين حوّلوا إلى موسينغكو ملايين الدولارات. ولم يقتصر ضحايا الاحتيال على بابوا غينيا الجديدة، بل امتدوا إلى جزر سليمان وفيجي وأستراليا ودول أخرى. ولم يكتفِ موسينغكو بشركته الاستثمارية، بل افتتح في مرحلة لاحقة فرعًا لمؤسسة سماها "البنك الملكي الاحتياطي لبابالا"، قرب مقر البنك المركزي في بابوا غينيا الجديدة. وعندما بدأت السلطات التحرك لإغلاق أعماله، فر موسينغكو أولًا إلى جزر سليمان، قبل أن يعود لاحقًا إلى مسقط رأسه في قرية تونو بجنوب بوغانفيل. وهناك أخذت قصته منحى أكثر غرابة. فقد أعلن الرجل الهارب نفسه "الملك بيي الثاني" لمملكة "بابالا"، وأنشأ ميليشيا مسلحة لحمايته من سلطات إنفاذ القانون ومن المستثمرين الغاضبين الذين طالبوه بإعادة أموالهم. وعلى مدى سنوات، واصل موسينغكو التصرف كحاكم لمملكة ابتكرها بنفسه. بل ذهب أبعد من ذلك، فطبع عملة خاصة أطلق عليها اسم "كينا بوغانفيل"، وظهرت صورته على بعض الأوراق النقدية التي أصدرها. وفي عام 2010، وصل إليه مراسل شبكة ABC الأسترالية ليام فوكس، والتقى محتالًا مطلوبًا كان قد تحصن في قرية جنوب الجزيرة، محاطًا بميليشيا مسلحة ويحمل لقبًا ملكيًا منحه لنفسه، وفق الوصف الذي نشرته الشبكة الأسترالية. ورغم مرور السنوات، لم ينسَ ضحايا الاحتيال الأموال التي فقدوها. وقالت الصحافية غورتي كينيث، وهي من بوغانفيل، إنها استثمرت في شركة موسينغكو عام 1998 الأموال التي منحها لها والداها لدفع رسوم دراستها الجامعية. وعندما علمت بوفاته، كانت أول جملة قالتها: "انتهى الأمر، ذهبت أموالي". ورغم ذلك، قالت كينيث إنها شعرت أيضًا بالحزن. وأوضحت أنها تحدثت مع موسينغكو قبل وفاته بفترة قصيرة في محاولة لترتيب مقابلة معه، وشعرت بأنه كان يريد تغيير حياته لكنه لم يكن يعرف كيف يفعل ذلك. وقالت: "كان يبدو كإنسان يحتاج إلى تغيير حياته، ويريد فعل ذلك، لكنه لا يعرف كيف. كان بحاجة إلى مساعدة". وحتى بعد وفاة موسينغكو، استمرت الوعود للمستثمرين. ففي البيان الذي أُعلن فيه نبأ موته، ورد أن جميع العملاء سيستعيدون كامل الأموال التي استثمروها في مختلف برامج الاستثمار التي كان يديرها. لكن أنطوني ريغان، الخبير في القانون الدستوري في الجامعة الوطنية الأسترالية والمستشار المخضرم للحكومة المستقلة في بوغانفيل، قلّل من فرص تحقيق ذلك. وقال: "كل الأموال أُنفقت بالفعل، ولم تكن لديه أصلًا مبالغ مالية كبيرة". وأوضح ريغان أنه، كما في أي مخطط بونزي، فإن الأموال الوحيدة التي دخلت إلى النظام كانت تأتي من مستثمرين جدد. ومع توقف دفع الأرباح للمستثمرين، تراجعت أيضًا الأموال الجديدة الداخلة إلى النظام. وبحسب ريغان، لم يكن موسينغكو عمليًا قادرًا على دفع الأموال للمس