بعد أيام من الاضطرابات العنيفة التي شهدتها فرنسا، تكشف أولى الاستطلاعات السياسية التي أُجريت في أعقابها تحوّلًا لافتًا في السباق الرئاسي، مع تقدم واضح لمارين لوبان قبل انتخابات نيسان وأيار 2027، في وقت يواصل فيه الوسط السياسي المرتبط بالرئيس إيمانويل ماكرون خسارة الزخم. وبحسب تقرير للصحافي أساف روزنتسفايغ في "القناة 12" الإسرائيلية، فإن استطلاعًا جديدًا نُشر مساء الثلاثاء، وهو الأول منذ اندلاع الاضطرابات في نهاية الأسبوع، يمنح زعيمة "التجمع الوطني" مارين لوبان ما بين 34% و38% من الأصوات في الدورة الأولى، بحسب هوية المرشحين الذين قد يواجهونها. وأُجري الاستطلاع بواسطة معهد Ifop-Fiducial لصالح قناة LCI وصحيفة "لو فيغارو" وإذاعة Sud Radio. وتشير نتائجه إلى أن لوبان لا تتصدر الدورة الأولى فقط، بل تفوز أيضًا بوضوح في جميع السيناريوهات التي جرى اختبارها للدورة الثانية. وسجّلت لوبان ارتفاعًا يتراوح بين 1% و2% مقارنة باستطلاع سابق أُجري الأسبوع الماضي، قبل الاضطرابات، فيما يصل الفارق بينها وبين المرشح الذي يحتل المركز الثاني إلى ما بين 18% و22%، ما يعكس اتساع تفوق "التجمع الوطني" على منافسيه. وأُجري الاستطلاع بين 17 و19 تشرين الأول، فيما كانت فرنسا تشهد اضطرابات عنيفة في عدد من مدنها الكبرى، شملت مواجهات بين متظاهرين وقوات الأمن وعمليات إحراق ونهب وإلحاق أضرار بالممتلكات. وأعادت هذه الأحداث إلى صدارة النقاش العام ملفات الأمن الشخصي والنظام العام وقدرة الحكومة على مواجهة العنف في الشوارع. وبحسب صحيفة "لو باريزيان"، كانت لوبان المرشحة التي حققت التحسن الأوضح بين الاستطلاعين، فيما بقي كثير من منافسيها عند مستويات شبه ثابتة أو فقدوا جزءًا من تأييدهم. ويبرز التحول الأكبر في نتائج الدورة الثانية، إذ تعتمد فرنسا نظامًا ينتقل بموجبه المرشحان الحاصلان على أكبر عدد من الأصوات إلى جولة حاسمة إذا لم يحقق أي مرشح غالبية مطلقة من الدورة الأولى. ولسنوات طويلة، شكّلت هذه المرحلة نقطة الضعف الأساسية لحزب لوبان، المصنف ضمن اليمين المتطرف، إذ كان مرشحوه ينجحون في بلوغ الدورة الثانية لكنهم يفشلون في جمع تأييد كافٍ للفوز. أما في الاستطلاع الجديد، فتتقدم لوبان في جميع المواجهات الـ5 التي جرى اختبارها. وسجّلت أكبر فجوة أمام زعيم اليسار المتطرف جان لوك ميلانشون، الذي شجع الاحتجاجات والاضطرابات، إذ حصلت لوبان على 68% مقابل 32% لميلانشون. كما تتقدم بفارق 18% على الرئيس السابق فرنسوا هولاند، وبفارق 16% على رئيس الوزراء السابق غابريال أتال. وحتى إدوار فيليب، رئيس الوزراء السابق الذي اعتُبر لفترة طويلة أحد أبرز مرشحي معسكر الوسط، لا يحصل وفق الاستطلاع سوى على 44% في مواجهة 56% للوبان. وبحسب قناة LCI، اتسع الفارق بينهما 4 نقاط مقارنة بالقياس الذي أُجري في نهاية آب. أما مرشح اليسار رافاييل غلوكسمان، فلا يتمكن بدوره من الاقتراب من لوبان، إذ يحصل على 43% مقابل 57% لها، في سيناريو افتراضي لوصولهما معًا إلى الدورة الثانية. وهذا ليس أول استطلاع يتوقع فوز لوبان على جميع المرشحين المحتملين في الدورة الثانية، إذ تشير المعطيات المتكررة إلى تغير حقيقي في ميزان القوى السياسي الفرنسي. ففي السابق، كان خصوم "التجمع الوطني" يتحدون في الدورة الثانية خلف مرشح واحد بهدف منع وصوله إلى السلطة، ضمن ما يُعرف بـ"الجبهة الجمهورية"، وهي الآلية التي لعبت دورًا أساسيًا في خسارة لوبان أمام إيمانويل ماكرون في انتخابات 2017 و2022. لكن الاستطلاع الجديد، إلى جانب استطلاعات سبقت موجة الاحتجاجات، يشير إلى احتمال تراجع فاعلية هذه الآلية. فحتى عندما تواجه لوبان مرشحًا من الوسط أو من اليسار المعتدل، تحتفظ بفارق كبير من خانتين. وفي موازاة صعود لوبان، يكشف الاستطلاع أزمة متزايدة داخل المعسكر السياسي المرتبط بماكرون. فبعد نحو عقد من هيمنة الوسط على المشهد السياسي الفرنسي، يجد اثنان من أبرز ممثليه، إدوار فيليب وغابريال أتال، صعوبة في الاقتراب من نسب التأييد التي تحققها زعيمة "التجمع الوطني". ويأتي ذلك بالتوازي مع مستويات متدنية تاريخيًا لشعبية ماكرون خلال الأشهر والسنوات الأخيرة. ويحصل فيليب في الدورة الأولى على 12% فقط عندما يكون أتال مرشحًا أيضًا، وترتفع النسبة إلى 15% عندما يكون المرشح الوحيد لمعسكر الوسط. وفي السيناريو الأخير، يشكل ذلك تراجعًا بـ6 نقاط مقارنة ببداية الخريف. أما ماكرون نفسه، فلا يحق له الترشح لولاية ثالثة. ولا تقتصر المشكلة على تراجع التأييد لمرشحي الوسط، إذ إن الانقسامات الداخلية بين الشخصيات المرتبطة بالرئيس، بالتزامن مع المنافسة من مرشحي اليمين التقليدي واليسار المعتدل، تجعل من الصعب بلورة مرشح مركزي قادر على منافسة لوبان. وخلال سنوات، نجح ماكرون في تقديم ن