بقي حطام غواصة نازية راقدًا على عمق نحو 70 مترًا في قاع بحر المانش طوال 82 عامًا، فيما كانت السجلات التاريخية ترسل الباحثين إلى مكان آخر تمامًا. لكن مجموعة من الغواصين البريطانيين نجحت هذا الصيف في تحديد هوية الغواصة الألمانية U-672 على بعد نحو 32 كيلومترًا من الساحل الإنكليزي، لتكشف أن خطأً بسيطًا في الإحداثيات أبعد موقعها المسجل نحو 74 كيلومترًا عن مكان غرقها الحقيقي. وبحسب تقرير نشره موقع "واللا" الإسرائيلي، فإن الغواصة الألمانية U-672 أُصيبت في تموز 1944 خلال هجوم شنته سفينة حربية بريطانية، قبل أن تغرق، إلا أن جميع أفراد طاقمها الـ52 تمكنوا من النجاة. ورغم مرور عقود طويلة على الحادثة، ظل موقع غرقها الحقيقي مجهولًا. وعندما هبط فريق الغوص البريطاني "غاسبيرادوس" إلى موقع الحطام، كشفت تفاصيل عدة في بنية الغواصة عن الأدلة التي سمحت بتحديد هويتها. ولم يكن الموقع مجهولًا بالكامل، إذ ساد الاعتقاد لسنوات بأن الحطام يعود إلى سفينة شراعية أميركية. لكن في تموز من هذا العام وصل فريق غواصين من بورتلاند إلى المكان، وأدرك أن ما يرقد في القاع ليس سفينة شراعية بل غواصة. وبعد أسابيع، انطلق فريق آخر لمعرفة هوية الغواصة تحديدًا. وقال الغواص دومينيك روبنسون، البالغ 55 عامًا، من فريق "غاسبيرادوس" الذي يتخذ من بليموث مقرًا له، إنه تمكن مع زميله غاي تريز من الوصول إلى الحطام في المحاولة الثانية. وأضاف: "بمجرد أن بدأنا نتحرك حولها ورأيت الخصائص المختلفة، والسنوركل، وبرج القيادة، وكل التفاصيل الأخرى، عرفت أننا سننجح في الحصول على التوثيق المطلوب لتحديد هويتها. كنت سعيدًا جدًا". ورغم الوقت الطويل اللازم للوصول إلى عمق 70 مترًا، لم يكن أمام الغواصين سوى نحو 25 دقيقة فقط للبقاء قرب الغواصة بسبب العمق الكبير. واستغرقت عملية الغوص كاملة نحو 3 ساعات، معظمها بسبب الحاجة إلى الصعود التدريجي وتنفيذ محطات توقف لتجنب إصابات الضغط. وروى روبنسون أيضًا لقاءات غريبة مع كائنات بحرية في الطريق إلى الحطام. وقال: "عندما وصلنا إلى القاع رأيت سمكة صياد بكل أسنانها. واصلنا التقدم ورأينا حبلًا عليه أخطبوط، فرّ إلى داخل سرب من الأسماك. وعندها أدركنا أننا وجدنا الحطام". وعُثر على الغواصة مستلقية على جانبها الأيسر، فيما كانت أجزاء واسعة من غلافها الخارجي قد اختفت مع مرور الزمن. وفحص الغواصون المروحة وبرج القيادة وفتحات التهوية، بحثًا عن خصائص تميزها عن غواصات ألمانية أخرى من الحقبة نفسها. وجاء الدليل الأهم من نظام سنوركل فريد، كان يسمح للغواصة بتشغيل محركات الديزل وشحن البطاريات من دون الاضطرار إلى الصعود بالكامل فوق سطح الماء. كما ساعد وجود 3 فتحات مستطيلة في بدن الغواصة، إلى جانب بقايا نظام صُمم لخداع رادارات طائرات العدو، في تثبيت هويتها. وبعد إرسال الصور إلى المؤرخ الألماني الدكتور أكسل نيستله، المتخصص في غواصات الحرب العالمية الثانية، أكد أن المعطيات تتطابق مع الغواصة U-672. لكن السؤال بقي: كيف أمكن لغواصة يبلغ طولها نحو 67 مترًا أن تبقى مجهولة الهوية أكثر من 8 عقود؟ الإجابة، بحسب التقرير، لم تكن في قاع البحر بل داخل الوثائق التاريخية. وقال نيستله إن خطأً في تسجيل الموقع داخل سجلات البحرية البريطانية أدى إلى توثيق مكان غرق الغواصة على بعد نحو 74 كيلومترًا من موقعها الحقيقي. وكان خبير الآثار البحرية إينيس مكارتني قد طرح سابقًا احتمال أن تكون أرقام قد جرى تبديلها بالخطأ في الإحداثيات التي سُجلت بعد الغرق، ليتبين الآن أن فرضيته كانت صحيحة. وهذا الخطأ يفسر أيضًا لماذا ارتبط الحطام طوال سنوات بسفينة شراعية أميركية تُدعى "هيلدغارد" تعود إلى الحرب العالمية الأولى، بدل ربطه بغواصة ألمانية. وبدأت قصة U-672 في حوض بناء سفن بمدينة هامبورغ، حيث بُنيت من طراز VII-C، وأُطلقت إلى المياه في شباط 1943. وشاركت الغواصة في 4 مهمات عملياتية بقيادة أولاف لاواتس، لكنها لم تنجح في إغراق أي سفينة تابعة لقوات الحلفاء. وفي 18 تموز 1944، وخلال مهمتها الأخيرة، رصدتها الفرقاطة البريطانية HMS Balfour وهاجمتها بسلاح مضاد للغواصات من نوع "هيدجهوغ"، كان يطلق شحنات متفجرة باتجاه أهداف تحت الماء. وتسببت الإصابات بأضرار جسيمة ودخول المياه إلى هيكل الغواصة، قبل أن تتفاقم حالتها ويدرك الطاقم أن مواصلة الإبحار أو الوصول إلى ميناء آمن لم يعد ممكنًا. وخلال ساعات الليل، قرر قائد الغواصة الصعود بها إلى سطح البحر حتى يتمكن جميع أفراد الطاقم من مغادرتها. وبعد انتقال الجنود إلى قوارب نجاة قابلة للنفخ، جرى إغراق الغواصة عمدًا كي لا تقع في أيدي العدو. وتمكن جميع أفراد الطاقم الـ52 من مغادرتها أحياء. وفي اليوم التالي، عثرت عليهم قوات بريطانية في البحر، وأنقذتهم ثم نقلتهم إلى معسكر أسرى، حيث