دعا وزير العدل عادل نصار إلى إبقاء ملف الاغتيالات السياسية والجرائم التي هزّت لبنان حيّاً في الذاكرة الوطنية، مؤكداً أن مرور الوقت لا يمكن أن يتحول إلى مدخل للنسيان أو للتخلي عن المساءلة، ومشدداً على أن إعادة بناء المجتمع تتطلب مواجهة الماضي بالحقيقة والعدالة وصولاً إلى مسار مصارحة ومصالحة لا يلغي المحاسبة. وجاء كلام نصار في كلمة ألقاها خلال جلسة نقاش حول المساءلة القضائية في الاغتيالات السياسية، حيث أوضح أن المعرض المرافق لا يهدف إلى اتخاذ مواقف من خيارات سياسية محددة، بل إلى مقاربة قضية تدخل، برأيه، في صلب وجدان اللبنانيين، ولا سيما أن ما شهده لبنان من اغتيالات وكوارث وجرائم يرتبط مباشرة بمسألة العدالة ودور القضاء. وأشار إلى إدراج عمل مرتبط بانفجار مرفأ بيروت ضمن المعرض، معتبراً أن الكوارث والجرائم التي أصابت لبنان تعيد في كل مرة طرح السؤال نفسه حول العدالة وقدرة القضاء على القيام بدوره. وتوقف نصار عند حجم الأعباء الملقاة على القضاء اللبناني، قائلاً إن المطلوب منه التدخل في ملفات تبدأ من المخالفات والقضايا اليومية، ولا تنتهي عند الجرائم الكبرى التي تهز وجدان البلاد، في وقت يعاني فيه من ضغوط وتراكمات ومخالفات للقانون خلفتها سنوات الحروب والأزمات. وشدد على أن "الوقت لا يجب أن ينسينا الجرائم"، محذراً من أن يصبح العنف والاغتيال جزءاً من المخاطر التي يُسلّم بها المجتمع أو الصحافة أو السياسيون أو أصحاب الفكر. وقال إن أخطر ما يمكن أن يحصل هو "التعود على الجريمة"، أياً يكن مرتكبها أو ضحيتها. وفي هذا السياق، أكد نصار أن اللبنانيين مطالبون بالنظر إلى تاريخهم بوعي وجدية، لا بهدف البقاء أسرى الماضي، بل لفهم المسار الذي أوصل المجتمع إلى واقعه الحالي واستخلاص العبر منه. وربط ذلك بالمرحلة التي يأمل أن يصل فيها لبنان إلى حصر السلاح بيد الدولة، قائلاً إنه بعد تجاوز مرحلة العنف والسلاح خارج الدولة، يصبح ضرورياً فتح مسار وطني أوسع لا يقتصر على حوار بين المسؤولين، بل يقوم على مفهوم "الحقيقة والمصالحة" على مستوى المجتمع والمدن والقرى والمدارس ومختلف البيئات اللبنانية. وأكد أن هذا المسار لا يعني التخلي عن المساءلة أو المحاسبة، بل يقوم على المصارحة بالحقيقة ومواجهة الماضي بكل جوانبه، تمهيداً لإعادة بناء المجتمع على أسس أكثر متانة. وتوقف وزير العدل عند معاناة عائلات الضحايا، مشيراً إلى أن التضامن الشعبي يكون واسعاً فور وقوع الجريمة، قبل أن ينحسر الاهتمام تدريجياً ويبقى أهل الضحية وحدهم في مواجهة الألم. ورأى أن من مسؤولية الدولة والمجتمع الاعتراف بهذا الوجع وبالتضحيات والخسارات التي خلّفتها أعمال العنف. واستشهد بتجارب دول أخرى في إحياء ذكرى ضحايا الأعمال الإرهابية، معتبراً أن الاعتراف الرسمي والمجتمعي بآلام الضحايا يجب أن يصبح جزءاً من دور الدولة، بمعزل عن مسار التحقيقات القضائية ومن دون أن يحل مكانها. ولخص نصار مقاربته بأربع ركائز: لا نسيان، الاعتراف بوجع الضحايا، رفض غياب المساءلة، والعمل لاحقاً على مصارحة ومصالحة وطنية تساعد اللبنانيين على قراءة تاريخهم واستخلاص العبر منه وبناء مستقبل مختلف. وتأتي هذه المواقف في ظل استمرار ملفات اغتيالات وجرائم كبرى في الذاكرة اللبنانية، فيما يبقى مطلب العدالة والمحاسبة حاضراً لدى عائلات الضحايا وفي النقاش العام، بالتوازي مع أسئلة أوسع حول استقلال القضاء وقدرته على معالجة إرث عقود من العنف والانقسامات السياسية.