منذ أن كشفت الأجهزة الأمنية اللبنانية شحنة متفجّرات "حزب الله" في ضهر البيدر، استنفرت الإدارة الأميركية، معتبرةً هذه العملية تجاوزًا للخطوط الحمراء الأمنية في لبنان. وكان وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو الأكثر وضوحًا وصرامةً، عندما اتصل بالرئيس اللبناني جوزاف عون، مؤكدًا له ضرورة عدم إعادة المتفجّرات المصادرة إلى "الحزب"، الذي اعترف بأنها تعود إليه، وشدّد روبيو على ضرورة محاسبة المتورطين في الشحنة. وتكشف معطيات من مصادر أميركية تعمل لمصلحة وزارة الخارجية أن تحذيرات أمنية أُبلغت إلى المسؤولين اللبنانيين سابقًا، قبل وقوع هذه المتفجّرات في أيدي الأجهزة الأمنية، بشأن وجود نيّات لدى النظام الإيراني و"الحزب" لاستهداف مواقع أو شخصيات داخل لبنان. لكن الجهات الأمنية الرسمية لم تتعاطَ مع هذه المؤشرات بما يتناسب مع حجم الخطر الذي تمثّله. وتؤكّد المعطيات الأميركية أن توقيف ناقلي الشحنة، ولو بالصدفة، يشكّل فرصةً لبدء تنفيذ قرارات الحكومة بحظر سلاح "الحزب" وأنشطته العسكرية. لذلك، تشدّد وزارة الخارجية الأميركية على وجوب أن تحدّد السلطات هويات المخطّطين، مهما علا شأنهم، وأن تلاحق جميع المتورطين قضائيًا، لأن الاكتفاء بالقبض على المنفّذين المحتملين، بينما يظلّ صنّاع القرار في الظل، لا يُعدّ تحقيقًا مكتملًا، بل تكريسًا لمنطق الإفلات من العقاب ذاته. أمام هذه المعطيات، شغّلت الإدارة الأميركية راداراتها الدبلوماسية والسياسية والأمنية لمتابعة ما ستؤول إليه التحقيقات. وهذا يعني أنها جعلت نتائج التحقيق اختبارًا عمليًا لتعهدات الدولة اللبنانية، لكنه لا يعني بالضرورة أنها طلبت توقيف أسماء محدّدة أو أنها تملك أدلةً عن هويات المخطّطين. علمًا أن مراجع أميركية تأكّدت من أن التحقيق توسّع ليشمل تحديد مصدر المتفجّرات، والجهات التي كان يُفترض أن تتسلّمها، والغاية من نقلها. وجرى تكليف أجهزة أمنية بمتابعة التحقيقات وتحليل بيانات الاتصالات الخاصة بالموقوفين. لا مشاركة أميركية مباشرةً في التحقيق إلا أن معلومات واردة من دوائر ذات صلة بوزارة الخارجية الأميركية تؤكّد عدم وجود فريق تحقيق أميركي مشارك مباشرةً في الملف، أو ما يثبت حصول واشنطن على محاضر التحقيقات اللبنانية. وتشير هذه المعلومات إلى أن واشنطن تتعامل بجدية بالغة مع هذا الملف، ويمكن تحديد ثلاثة أبعاد للموقف الأميركي: البعد القضائي: مطالبة لبنان بملاحقة كل مَن أمر بالشحنة أو موّلها أو أدارها، وفق الأدلة والإجراءات القضائية. البعد الأمني: منع إعادة المتفجّرات إلى جهة غير خاضعة لسلطة الدولة، وربط القضية بسياسة حصر السلاح. البعد الدبلوماسي: قياس جدية التعهدات اللبنانية، في وقت تضغط فيه واشنطن أيضًا باتجاه التواصل العسكري المباشر بين لبنان وإسرائيل لتجنّب الاحتكاك. ويتركّز الاهتمام الأميركي على التشابه بين مكوّنات شحنة المتفجّرات المضبوطة في ضهر البيدر والمواد المستخدمة في جرائم الاغتيال السابقة، من الرئيس الراحل رفيق الحريري، مرورًا بجبران تويني، وصولًا إلى وسام الحسن. وبالفعل، ذهبت تحليلات أميركية إلى المقارنة بين المواد المتفجّرة التي استُخدمت في اغتيال الحريري، ومنها مادة "آر دي إكس" (RDX)، التي تُعدّ أحد المكوّنات الرئيسية لمادة "سي-4" (C-4)، التي كانت ضمن المواد المضبوطة في ضهر البيدر. وما ترسّخه هذه المقارنة الأميركية هو أن القضية تستدعي أعلى درجات التدقيق، من دون أن يشكّل التشابه في المواد، بحدّ ذاته، دليلًا على ارتباط الشحنة بجرائم الاغتيال السابقة. ويلفت مصدر دبلوماسي أميركي من أصل لبناني إلى أنه، في ظل الضغوط المتزايدة التي يواجهها "الحزب"، تتصاعد المخاوف من لجوئه مجددًا إلى الاغتيالات، بهدف الحفاظ على أوضاعه العسكرية والسياسية والمالية الهشّة. ويرى هذا المصدر أن تقارير أميركية غير معلنة، اطّلع عليها دبلوماسيون أميركيون ناشطون على الخط اللبناني في أواخر عام 2025، تعيد تسليط الضوء على أنشطة "الوحدة 121"، التي توصف بأنها فرقة الاغتيالات التابعة لـ"الحزب"، والتي تتهمها هذه التقارير بالتورّط سابقًا في قتل شخصيات لبنانية بهدف إسكاتها، ولا سيما في ما يتعلق بدور "الحزب" في قضية نيترات الأمونيوم التي أدّت إلى انفجار مرفأ بيروت في 4 آب 2020. ويكشف هذا التقرير أن الوحدة تستخدم، وفق ما ورد فيه، أساليب إرهابية، كالتفجيرات بالسيارات المفخّخة، وعمليات القتل بأسلوب العصابات، والطعن، لتنفيذ اغتيالات احترافية تستهدف في الغالب خصومًا سياسيين، وذلك بناءً على أوامر مباشرة من قيادة "الحزب". ولم يستبعد التقرير أن يكون "الحزب" قد أعاد تحريك هذه الوحدة وتفعيل قدراتها العملياتية، بهدف إعادة فرض هيمنته على المشهد السياسي اللبناني. وإذا ما أُتيحت له الفرصة، وفق التقرير، فقد يستخدم كل ما لديه من أدوات وقدرات، بم