يقول مرجع سياسي مخضرم إنه حين يصبح التلويح بالسلاح جزءًا من الخطاب السياسي الداخلي، لا يعود الأمر مجرّد سجال حول المقاومة أو خلاف على الخيارات الاستراتيجية، بل يتحوّل إلى إنذار يستوجب التوقف عنده. فلبنان الذي يواجه اعتداءات إسرائيلية ويحتاج إلى تحصين جبهته الداخلية، لا يحتمل أن يجد نفسه أمام معادلة تُخيّره بين القبول بسلاح خارج سلطة الدولة والخوف من مواجهة داخلية إذا طالب بوضعه تحت سقفها. وفي رأي هذا المرجع أن ما صدر عن رئيس كتلة "الوفاء للمقاومة" النائب محمد رعد وعدد من نواب "حزب الله" يطرح سؤالًا بالغ الخطورة: هل يدرك الحزب أن التلويح بإمكان استخدام السلاح في الداخل دفاعًا عن المقاومة لا يحصّن موقعه، بل قد يعمّق المخاوف منه ويوسّع دائرة الاعتراض على احتفاظه بقرار عسكري مستقل؟ فالوحدة الوطنية لا تُصان بالتحذير من الصدام، ولا تُبنى على مطالبة اللبنانيين بالصمت كلما طُرح سؤال السيادة وحصرية السلاح. ويذهب هذا المرجع إلى تحديد المشكلة، التي لم تعد في ارتفاع نبرة الخطاب، بل في المعادلة التي يوحي بها. فعلى الحكومة أن تتحمّل مسؤولية الأمن، لكن ليس بالضرورة أن تمتلك وحدها أدوات القرار؛ وللمؤسسات الشرعية أن تطالب بحصرية السلاح، لكن عليها أن تحسب حساب ردّ الفعل إذا حاولت ترجمة قراراتها إلى إجراءات عملية. وهذه معادلة لا يمكن أن تشكّل أساسًا لدولة ذات سيادة، لأنّها تضع سلطة المؤسسات تحت ضغط ميزان القوة بدل أن تجعل القانون المرجعية النهائية للجميع. ويشير هذا المرجع إلى أن ذلك لا يعني تجاهل الاحتلال الإسرائيلي أو التقليل من أخطاره، بل إنّ مواجهة الاعتداءات تتطلّب دولة قادرة وجيشًا قويًا وقرارًا وطنيًا موحّدًا. أمّا إبقاء السلاح خارج سلطة الدولة بذريعة الخطر الإسرائيلي، فيُبقي لبنان أسير حلقة مفرغة. فلا سيادة مكتملة، ولا استراتيجية دفاعية متفق عليها، ولا ضمانة حقيقية تمنع تكرار الحروب. وتزداد خطورة المشهد عندما يُطرح احتمال المواجهة مع الجيش، ولو بصورة غير مباشرة. فالجيش، كما يؤكد الجميع، ليس خصمًا سياسيًا ولا طرفًا في نزاع حزبي، بل هو المؤسسة التي يُفترض أن تحمي اللبنانيين جميعًا. وأي محاولة لوضعه في مواجهة مع مكوّن لبناني ستكون مقامرة بمصير البلاد، لا مجرّد ورقة ضغط في معركة سياسية. كذلك، فإنّ قضية شحنة المتفجرات المضبوطة في ضهر البيدر تفرض سؤالًا لا يمكن القفز فوقه: هل تستطيع الدولة التحقيق في نشاط أمني أو عسكري وتحديد المسؤوليات وفق القانون، أم أنّ بعض الملفات ستبقى محكومة باعتبارات القوة والتهديد؟ إنّ إقرار الحزب بملكية الشحنة وتأكيده أنها كانت مخصّصة لمواجهة العدو الإسرائيلي لا يُغنيان عن التحقيق، ولا يمنحان أي جهة حق تجاوز المؤسسات المختصة. الأخطر أن الرهان على تخويف اللبنانيين من الفتنة قد لا يؤدي إلى إخضاعهم، بل إلى زيادة قناعتهم بأنّ استمرار السلاح خارج سلطة الدولة بات مشكلة وطنية لا يمكن تأجيلها إلى ما لا نهاية. فاللبنانيون الذين خبروا الحروب يدركون أن التهديد بالحرب الأهلية لا يحمي السلم الأهلي، بل يضعه رهينةً لمعادلات القوة. المطلوب اليوم، في رأي أكثرية اللبنانيين، ليس استسلام الدولة لميزان السلاح، ولا دفع البلاد إلى مواجهة غير محسوبة، بل فرض معادلة واضحة: لا حماية للبنان من دون دولة، ولا دولة كاملة السيادة مع قرار عسكري خارج مؤسساتها. وهذا يقتضي مسارًا جديًا يربط بين الانسحاب الإسرائيلي، وتعزيز قدرات الجيش، ووضع السلاح والقرار الأمني تحت سلطة الدولة، بعيدًا من المهل المفتوحة والوعود التي لا تُنفّذ. السؤال الذي يواجه "حزب الله" لم يعد ما إذا كان قادرًا على رفع سقف خطابه، بل ما إذا كان مستعدًا للاعتراف بأنّ لبنان تغيّر، وأنّ شرعية أي سلاح لا يمكن أن تكون شأنًا يقرّره حامله وحده. فالدولة ليست طرفًا يفاوض على حقّه في السيادة، والجيش ليس هدفًا للضغط السياسي، والوحدة الوطنية ليست امتيازًا يُمنح لمن يقبل بمعادلة القوة. إذا كان الحزب يريد حماية لبنان، فعليه أن يثبت أن سلاحه لن يتحوّل إلى وسيلة لفرض خياراته على اللبنانيين. أمّا إذا أصبح الاعتراض على السلاح مدخلًا للتلويح بالصدام، فإنّ الخطر لا يعود محصورًا في مصير السلاح، بل يمتدّ إلى مصير الدولة نفسها.