تحولت سوق مكتظة في منطقة أبيي المتنازع عليها بين السودان وجنوب السودان إلى ساحة كارثة، بعدما أشعلت غارات بطائرات مسيّرة مستودعًا للوقود وأدت إلى مقتل أكثر من 220 شخصًا، فيما دُفن الضحايا في مقبرتين جماعيتين وفرّ آلاف السكان من منازلهم، في حلقة جديدة من حرب باتت الطائرات المسيّرة إحدى أكثر أدواتها فتكًا بالمدنيين. وبحسب تقرير نشره موقع "ynet" الإسرائيلي بالتعاون مع وكالات الأنباء، قُتل أكثر من 220 شخصًا في الهجوم الذي استهدف سوقًا مكتظة في منطقة أبيي يوم الاثنين، حيث تسببت الضربات بانفجارات عنيفة واندلاع حريق هائل بعد إصابة خزان للوقود داخل السوق. وقالت السلطات المحلية إن آلاف الأشخاص اضطروا إلى الفرار من منازلهم، في وقت واجهت فرق الإنقاذ صعوبة في انتشال الجثث بسبب النيران التي واصلت الاشتعال في الموقع حتى اليوم التالي. وتأتي هذه المأساة في ظل الحرب الأهلية السودانية التي اندلعت في نيسان 2023 على خلفية صراع على السلطة بين الجيش النظامي بقيادة الفريق عبد الفتاح البرهان وقوات "الدعم السريع" بقيادة محمد حمدان دقلو المعروف باسم "حميدتي". وتحولت الحرب إلى واحدة من أخطر الأزمات الإنسانية في العالم، إذ تشير بيانات الأمم المتحدة إلى نزوح نحو 13 مليون شخص من منازلهم، فيما يحتاج أكثر من 33 مليونًا إلى مساعدات إنسانية. وكانت الحصيلة الرسمية الأولية للهجوم، التي نقلتها وكالتا "رويترز" و"أسوشيتد برس"، قد بلغت 153 قتيلًا، قبل أن تنقل محطة "Eye Radio" المحلية عن وزير الإعلام المؤقت في أبيي يوهانا أكول نغور أن 153 جثة دُفنت في مقبرة جماعية واحدة، فيما دُفنت 73 جثة أخرى في مقبرة ثانية، لترتفع الحصيلة إلى 226 قتيلًا. وقال نغور: "عثرنا على مقبرتين جماعيتين. في الأولى، الواقعة على الجانب الأيمن من السوق، دُفن نحو 153 ضحية، وفي الثانية 73". وأضاف أن الضربة الأولى أصابت أيضًا مركبة كانت تجر عربة تقل نحو 26 شخصًا. ووصف الوضع الإنساني في المنطقة بأنه بالغ الصعوبة، مشيرًا إلى نزوح نحو 8000 شخص بسبب الهجوم، اضطر بعضهم إلى الاحتماء تحت الأشجار وفي مناطق مفتوحة. وقال شاهد عيان لـ"رويترز" إنه سمع 5 انفجارات قوية قبل أن تشتعل منطقة تخزين الوقود داخل السوق. وأضاف الشاهد، الذي طلب عدم الكشف عن اسمه خشية على سلامته: "بدأ الناس بإخلاء المصابين. كانت لديهم إصابات بشظايا في البطن والساقين. وفي مكان واحد رأيت 28 جثة متفحمة". وأظهرت مشاهد من الموقع مركبات ومباني محترقة، إضافة إلى أنقاض وكتل معدنية مشوهة، فيما ظلت النيران تتصاعد من أحد المباني حتى بعد مرور يوم على الهجوم، في وقت تجول السكان بين الركام محاولين تقدير حجم الكارثة. وقال نغور إن بعض الجثث احترقت بالكامل، ما جعل فرق الإنقاذ تواجه صعوبة كبيرة في جمع بقايا الضحايا. وأعلنت منظمة "أطباء بلا حدود" نقل أكثر من 20 جريحًا إلى مستشفى "أمات بيك" القريب، بينهم حالات خطرة مصابة بحروق. وقال الدكتور كريستيان لينداور، المسؤول عن النشاط الطبي للمنظمة في المستشفى، إن الطواقم تقدم العلاج الجراحي وتضمد الجروح وتوفر الرعاية الطارئة للمصابين. وأظهرت صور نشرتها المنظمة جرحى مضمّدي الجروح يتلقون العلاج وهم ممددون على أرض المستشفى. واتهمت السلطات المحلية في أبيي وحكومة جنوب السودان الجيش السوداني بالوقوف خلف الهجوم. وفي المقابل، أكد ضابط رفيع في الجيش السوداني لوكالة "أسوشيتد برس"، طالبًا عدم الكشف عن اسمه، أن الجيش نفذ ضربة بطائرة مسيّرة في المنطقة، لكنه قال إن الهدف كان صهاريج وقود وصلت من جنوب السودان وكانت في طريقها إلى قوات "الدعم السريع" التي تقاتل الجيش منذ نيسان 2023. وادعى الضابط أن القتلى كانوا من عناصر "الدعم السريع" وأشخاصًا يعملون في تهريب الوقود، وقال: "نحن لا نستهدف المدنيين". لكن شاهد العيان الذي تحدث إلى "رويترز" قال إنه لم ير في السوق مقاتلين من "الدعم السريع" أو أشخاصًا مسلحين يرتدون الزي العسكري. وأوضح أن السوق مركز تجاري تُباع فيه مواد غذائية أساسية مثل السكر والدقيق والبسكويت قبل نقلها إلى داخل السودان. وقال 3 مصادر دبلوماسية لـ"رويترز" إن مستودع الوقود الذي تعرض للقصف سبق أن استخدمته قوات "الدعم السريع" لتزويد مقاتليها، إلا أنه لم يتم التحقق مما إذا كان الموقع لا يزال يُستخدم لأغراض عسكرية وقت الهجوم. وعلى خلفية القصف، أعلنت وزارة الخارجية في جنوب السودان استدعاء سفير السودان للاحتجاج على الهجوم الذي قالت إنه تسبب بخسائر بشرية كبيرة وأضرار مادية واسعة. ودعت الوزارة السودان إلى الامتناع عن أي تحركات تعرض المدنيين للخطر، والعمل على حل الخلافات بشأن منطقة أبيي بالوسائل الدبلوماسية. كما أدان الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش هجمات الطائرات المسيّرة في المنطقة، فيما قالت الأمم ا