لا يمكن فصل التصعيد القضائي والسياسي ضد حزب الله في لبنان عن الضغوط الأميركية المتزايدة على الدولة اللبنانية، ولا عن مساعي واشنطن إلى تغيير موقع الحزب في المعادلة الداخلية، في مرحلة تتداخل فيها احتمالات تجدد المواجهة مع إيران مع محاولات فرض وقائع جديدة على لبنان. فالمسألة لم تعد محصورة في التحقيق بشحنة المتفجرات في ضهر البيدر، بل باتت مرتبطة بكيفية إدارة الدولة لهذا الملف، والجهة التي ستستفيد من تحويله إلى مواجهة سياسية وأمنية مع حزب الله. تتجه الأنظار إلى قرار إحالة الملف إلى المجلس العدلي، وما يمكن أن يترتب عليه من إجراءات قضائية ومواقف سياسية. فالإحالة، إذا حصلت، لن تكون خطوة قضائية معزولة عن ما يحدث في الداخل، خصوصاً مع تصاعد الدعوات إلى ملاحقة مسؤولين في الحزب، وطرح مسألة "حلّه" في بعض الأوساط السياسية. وهنا يبرز السؤال الأساسي: هل تتعامل السلطة مع الملف باعتباره قضية تحتاج إلى تحقيق قضائي مستقل، أم يجري توظيفه ضمن مسار أوسع يستهدف دفع الدولة إلى مواجهة حزب الله؟ واشنطن تضغط.. والدولة أمام اختبار سياسي لا يمكن تجاهل توقيت التصعيد، ولا الاتصالات الأميركية المباشرة مع الرئاسة اللبنانية، ولا المواقف الحكومية التي يقرأها حزب الله بوصفها استجابة لمطالب خارجية تستهدفه. فالضغط الأميركي على لبنان لا ينفصل عن المساعي الرامية إلى تقليص نفوذ الحزب، ونقل المواجهة معه من المستوى السياسي إلى مؤسسات الدولة وأجهزتها القضائية والأمنية. وتكمن خطورة هذا المسار في تحويل الدولة إلى طرف في نزاع داخلي، بدلاً من أن تكون مرجعية لمعالجة الخلافات ضمن الأطر القانونية والدستورية. فعندما تتقاطع المطالب الأميركية مع مواقف قوى لبنانية تدفع نحو تشديد الإجراءات ضد حزب الله، يصبح من الضروري التمييز بين تطبيق القانون وبين استخدام مؤسسات الدولة لتحقيق أهداف سياسية تتجاوز القضية موضع التحقيق. من التحقيق القضائي إلى المواجهة الداخلية تكمن المشكلة في أن ملف شحنة ضهر البيدر بات محاطاً بمواقف سياسية ترفع سقف المواجهة قبل اتضاح النتائج القضائية حتى. فإحالة الملف إلى المجلس العدلي قد تضع الحكومة أمام اختبار صعب، لا بسبب الإجراء القضائي وحده، بل بسبب التداعيات التي يمكن أن تترتب عليه إذا استُخدم مدخلاً لتوسيع الملاحقات. وتكشف مواقف القوى السياسية أن القضية تتجاوز الخلاف على مسار التحقيق. فهناك أطراف ترى في تشديد الإجراءات فرصة للضغط على الحزب، فيما يعتبر حزب الله أن ما يجري جزء من حملة تستهدفه وتستند إلى ضغوط أميركية. وفي هذا السياق، فإن أي قرار حكومي لا يراعي حجم الانقسام القائم، وينصاع للأوامر، قد يوسّع الأزمة بحيث تخرج عن سيطرته. هل المطلوب إشغال حزب الله عن المواجهة الإقليمية؟ يطرح توقيت التصعيد الداخلي فرضية أخرى تتصل بالتطورات الإقليمية واحتمالات تجدد المواجهة الأميركية الإيرانية. ففتح جبهة سياسية داخلية ضد حزب الله قد يضعه أمام استحقاقات متزامنة: الدفاع عن موقعه في الداخل، ومواجهة الضغوط على دوره وسلاحه، والاستعداد لاحتمالات التصعيد مع "إسرائيل" في ظل التوتر الإقليمي. ولا يمكن الاستبعاد أن هذا التزامن يعكس خطة أميركية متكاملة لإشغال الحزب. وتستفيد "إسرائيل" من أي انقسام لبناني يضعف القدرة على اتخاذ موقف موحد في مواجهة اعتداءاتها. كما أن تحويل الخلاف حول سلاح حزب الله ودوره إلى صدام بينه وبين مؤسسات الدولة ستحقق لها الهدف الأسمى عبر إضعاف التماسك الداخلي اللبناني في لحظة شديدة الحساسية. لذلك، لا ينبغي قراءة الملف بمعزل عن البيئة التي يتحرك فيها. فواشنطن تضغط لتغيير موازين القوى في لبنان، و"إسرائيل" تسعى إلى تقليص قدرة حزب الله على مواجهتها، فيما تتعامل القوى اللبنانية مع الملف وفق حساباتها المتعارضة. لا تبدو الأزمة محصورة في قرار إحالة الملف إلى المجلس العدلي، بل في المسار الذي ستختاره الحكومة بعد ذلك. فإذا اقترنت الإحالة بتصعيد سياسي ومطالبات بتوسيع الملاحقات لأفراد داخل حزب الله، فإن الأزمة ستنتقل إلى منحى آخر وهذا ما يريده بعض الأطراف الذين يعملون بأجندات خارجية في لبنان، عبر إقصاء الحزب من مواقعه في النظام السياسي اللبناني. أما حزب الله، فيواجه بدوره اختباراً في كيفية التعامل مع هذا المسار، بما يحمي موقعه ويمنع استدراجه إلى صدام داخلي يخدم خصومه. فالتصعيد المتبادل قد يمنح القوى الداعية إلى المواجهة فرصة لتوسيع إجراءاتها، بينما يفتح الانقسام الداخلي الباب أمام ضغوط أكبر على لبنان كله. المشكلة الأساسية أن واشنطن تستطيع ممارسة الضغط بما ـأنها تملك "مونة" على الرئاسة اللبنانية وممثلها جوزيف عون، لكن اللبنانيين هم من سيتحملون كلفة أي مواجهة داخلية. وإذا كانت الغاية من المسار الجاري دفع الدولة إلى الاشتباك مع حزب الله، فإن نجاح هذا المسعى لن يعني تع