لم يُخطئ المواطن اللبناني رضا جفّال، عنوان وطنه. لكنه اكتشف أنّ هناك من يريد تصحيح العنوان له: أنت شيعي، وهذه منطقة مسيحية. وعليه، أنت منبوذ. هكذا يعمل خطاب الكراهية في لبنان: يُختزل الإنسان في طائفته، ويُحوّل وجوده إلى تهديد، وحقوقه إلى اعتداء. تحت ضجيج التهديد والتنمّر، يتحوّل لبناني استثمر في المتن (قضاء لبناني في محافظة جبل لبنان قريب من البحر وبيروت غالبية سكانه من أبناء الطوائف المسيحية)، وأقام فيه إلى دخيل، وتصبح ملكيته للأرض خطراً على "وجود" الآخرين. كأنّ الوطن بيت بمنازل متنافرة، وعبور المواطن بينها اعتداء يستوجب الاستنفار. إنّها محاولة لجعل الطائفة أقوى من الهوية، والخوف أقوى من القانون. والتهمة جاهزة: أنت شيعي، إذاً أنت مشبوه. في لبنان، بلد الطوائف والطائفية، يرسم المعتقد الديني لأي مواطن جغرافيته وتاريخه… ومستقبله. فالطائفة في لبنان ليست معتقداً دينياً فحسب. الطائفة في لبنان معتقد ديني وجغرافيا وتاريخ خاص منفصل غالباً عن تواريخ الطوائف الأخرى، وعادات وتقاليد ومسموحات وممنوعات. بدلاً من تفكيك الطائفية في لبنان، نكرّس نظاماً للتمييز الطائفي تغذّيه الكراهية ورفض الآخر. فلماذا نعيد بناء ما ناضل آخرون لهدمه؟ كل محاولة للخروج من هذه الشرنقة، تعدٍّ على حقوق الطوائف الأخرى. خروج فرد من الجماعة من جماعته أو عليها، هو حتماً خروج جماعي لا فردي. لا يقرأ اللبناني بعيون أبناء الطوائف الأخرى كفرد، بل كعضو في الجماعة التي وُلد فيها ونشأ في جغرافيتها وشبّ على معتقداتها وأبطالها وتواريخها الخاصة. فإن خرج من جغرافيته إلى جغرافيا غيره، خرج على الآخرين. ماله واستثماراته ليست ملكه، بل ملك طائفته. سعيه سعي جماعته. إن تعلّم فهدفه ليس العلم وإنما ابتزاز الآخرين ومنافستهم. وإن أنجب وأكثر، فليس لتكوين عائلة بل للإخلال بالتركيبة السكانية للبنان. وإن انتقل من منطقته إلى منطقة أخرى في الـ10،452 كلم مربّع، فانتقاله ليس فعلاً فردياً وإنما ضمن مخطط للاستيلاء على مناطق الآخرين الشركاء في الوطن. في نظر الطوائف الأخرى، يُعدّ انتقاله هذا مسّاً بالوحدة الوطنية والعيش المشترك، وتعدٍّ على أملاك الآخرين ومعتقدهم وأرضهم وثقافتهم وعاداتهم وتقاليدهم. ما جرى مع رضا جفّال لا يخرج عما سبق، وإنما يقع في صلبه. "أنا مهندس لبناني أمضيت ما يقارب ثلاثة عقود أعمل في إنشاء وإدارة شركات في مجال خدمات قطاع الطاقة في نيجيريا… حملت لبنان معي في غربتي، وبقي تعلقي به، وإيماني بمستقبله دافعاً إلى الاستثمار فيه. والعقارات موضوع هذه الحملة اشتريت معظمها منذ سنوات طويلة بين عامي 2008 و2014، بأموالي الخاصة ولغايات تجارية صرفة"، قال جفّال ابن بلدة البازورية الجنوبية (الشيعية حسب المنطق اللبناني)، في بيان رسمي بعد الحملات عليه لشرائه عقارات في منطقة مصنّفة في العرف اللبناني "مسيحية". والعقارات في لبنان تدين بدين أصحابها. وأضاف: "آمنت بلبنان واحد. واعتقدت بصفتي مواطناً لبنانياً، أنّ من الطبيعي أن أشتري أرضاً أو أستثمر أموالي في أي منطقة من وطني. لم يخطر لي أن علي أن أبرّر انتمائي إلى منطقة لبنانية، أو أن أدافع عن نواياي الصادقة". وعليه، يعرف جفّال "خطيئته". ربما أنسته سنوات الغربة "الفرادة اللبنانية" و"التميّز اللبناني". نسي أنّ المتن ليس له، ولا يحق له العيش فيه أو الاستثمار… وربما حتى الزيارة! وأما وقد عرفها بعد الحملات التي شُنّت عليه، فقد أبدى حسن نية وأعلن استعداده لبيع كل استثماراته في المنطقة التي ليست لطائفته، ما ينفي عنه كل تهمة وُجّهت إليه بالتعدّي على جغرافيا الطوائف الأخرى. والمفارقة أنّ المصادر المنشورة تكشف نشاطاً تجارياً حقيقياً وواسعاً لجفّال في نيجيريا، ومؤشرات ملموسة على نجاحه، لكن سنوات الكّد والعمل تُمحى أمام كلمة واحدة: أنت شيعي. نطلب من المغتربين العودة والاستثمار، ثم ننصب لبعضهم حواجز مذهبيةً عند أبواب القرى. نحتفي بتحويلاتهم المالية، ونستولي على أموالهم في المصارف، ونرتاب بسندات ملكيتهم. والأخطر أنّ الدعوات إلى حصر التملّك بأبناء "طائفة المنطقة" تؤسس لوطن تتقاسمه الجماعات. ففي منطقة الحدث عند أطراف بيروت، أثار منع بيع عقارات المسيحيين أو تأجيرها للمسلمين جدلاً عام 2019، وقال رئيس البلدية إنّ القرار يحظى بتأييد قيادات مسيحية وشيعية. وفي 2025، عاد وأكّد مجدداً وجوب مراجعته قبل البيع أو التأجير. فيما فكّكت الولايات المتحدّة التي نتغنّى بها وبتجربتها، نظام الفصل العنصريّ قانونياً منذ عقود، نستعيد منطقه بثياب طائفية: متساوون، شرط أن تبقوا منفصلين لا يحتاج هذا الفصل إلى جدران وأسلاك شائكة؛ يكفي أن يخشى إنسان شراء بيت، أو يُدفع إلى بيع أرضه، لأنه وُلد على غير مذهب الجيران. هذا سلوك رجعيّ يعيدنا إلى الوراء. ففيما فكّكت الولايات المتحدّة، التي نتغنّى