في خطوة تؤكد مسعى العراق لإعادة موازنة علاقاته الإقليمية وترسيخ دوره كمحور استقرار في المنطقة، كشفت مصادر حكومية عراقية، اليوم الأربعاء، عن زيارة رسمية مرتقبة يجريها رئيس مجلس الوزراء، علي الزيدي، إلى كل من لبنان وسوريا الأسبوع المقبل، على رأس وفد حكومي رفيع المستوى لبحث ملفات مشتركة ذات أبعاد أمنية واقتصادية وسياسية متداخلة. وتأتي هذه المحطة لتبدأ من بيروت قبل أن تتجه إلى دمشق، ثم العودة إلى العاصمة بغداد، وذلك عقب تحركات دبلوماسية مكثفة أجراها الزيدي شملت زيارة العاصمة السعودية الرياض وجولة خليجية ضمت الكويت، ما يشير إلى استراتيجية عراقية تهدف إلى ربط التوافقات الإقليمية بالاستقرار المباشر على حدود البلاد الغربية. من هواجس الحدود إلى الواقعية السياسية تكتسب المحطة السورية في جولة رئيس الوزراء العراقي أهمية استراتيجية خاصة، بالنظر إلى التحول المفصلي الذي شهدته العلاقات بين بغداد ودمشق في مرحلة ما بعد سقوط نظام بشار الأسد. فعلى الرغم من أن المواقف الأولى للحكومة العراقية اتسمت بالحذر الشديد والمرقبة، مدفوعةً بهواجس أمنية عميقة تتعلق بإمكانية استغلال تنظيم "داعش" للفراغ الأمني ونشاط خلاياه مجدداً، فضلاً عن المخاطر المترتبة على تسلل العناصر المسلحة عبر الشريط الحدودي الممتد لأكثر من 600 كيلومتر، إلا أن معطيات الجغرافيا والمصالح الحيوية سرعان ما فرضت مساراً جديداً للتواصل. وقد سارعت بغداد مبكراً إلى فتح قنوات تواصل أمنية واستخباراتية مع السلطة الجديدة في دمشق لتأمين الحدود وتبادل المعلومات الحساسة. ومع التثبيت التدريجي للمشهد السياسي السوري، انتقلت هذه الاتصالات من أطرها الأمنية الضيقة إلى آفاق أوسع قائمة على التفاهمات السياسية والاقتصادية. أجندة الزيارة.. فتح المعابر وتأمين الطاقة تأتي زيارة الزيدي المرتقبة إلى دمشق لِتُوجّه رسالة مفادها الانتقال الرسمي للعلاقات من مرحلة "إدارة المخاطر والتوجس" إلى مرحلة "التعاون المؤسسي والمصلحة المتبادلة". ومن المتوقع أن تصدر ملفات التنسيق الاستخباراتي لملاحقة فلول الإرهاب، وإعادة تنشيط حركة التبادل التجاري، وفتح المعابر الحدودية رأس جدول الأعمال، إلى جانب مناقشة مشاريع الاستقرار والتكامل الاقتصادي الإقليمي. ويرى مراقبون أن نجاح بغداد في الموازنة بين علاقاتها مع دول الخليج العربي والانفتاح البراغماتي على السلطة السورية الجديدة يحقق لها مكاسب مزدوجة؛ فهو يُعزز أمنها القومي والداخلي من جهة، ويُسهم في حماية المحيط العربي والإقليمي من هزات أمنية جديدة من جهة أخرى.