لم يأتِ التحذير هذه المرة من ناشطين فلسطينيين أو منظمات حقوقية دولية فقط، ففي إسرائيل نفسها، بدأ ضباط وجنرالات سابقون، خاضوا حروب الدولة وقادوا وحداتها العسكرية، يرفعون الصوت ضد ما يجري في الضفة الغربية، معتبرين أن عنف المستوطنين لم يعد هامشياً، بل صار تهديداً مباشراً لمستقبل إسرائيل كدولة وديمقراطية. وبحسب "New York Times"، يشارك عدد من كبار المسؤولين الإسرائيليين السابقين في جولات ميدانية داخل الضفة، لمعاينة آثار اعتداءات المستوطنين على القرى الفلسطينية. بين هؤلاء اللواء احتياط إيال بن رؤوفين، الذي قاتل في حرب 1973 وقاد لاحقاً قوات برية إسرائيلية في حرب 2006 ضد "حزب الله". لكن الرجل، الذي أمضى حياته في المؤسسة العسكرية، خرج من جولاته الأخيرة بانطباع مختلف. فقد رأى مدرسة فلسطينية نُهبت بعد هجمات مستوطنين، واستمع إلى رعاة ومزارعين فلسطينيين تحدثوا عن مصادرة مواشيهم وأراضيهم والاعتداء عليهم. وقال إن ما يفعله المستوطنون هناك هو "الخطر الحقيقي على إسرائيل"، مضيفاً أن ذلك يقلقه أكثر من إيران وغزة ولبنان. هذا الموقف لم يبقَ فردياً. فإفرايم سنيه، وهو عميد احتياط ووزير سابق، وصف هجمات المستوطنين بأنها "تطهير عرقي". أما أساف أغمن، وهو جنرال سابق في سلاح الجو، فذهب أبعد، معتبراً أن محاولة محو الوجود الفلسطيني من أجزاء واسعة من الضفة تذكّر، لا بحجم العنف بل بمنطقه، بما عاناه اليهود في أوروبا. منذ هجوم 7 تشرين الأول 2023، انشغلت إسرائيل بحروب متلاحقة في غزة ولبنان وإيران. لكن خلف هذه الجبهات، كانت الضفة الغربية تتحول إلى ساحة أكثر خطورة. فالمستوطنون المسلحون، المدعومون سياسياً من أكثر حكومة يمينية في تاريخ إسرائيل، باتوا يهاجمون منازل وقرى ومساجد فلسطينية، ويشعلون الممتلكات، في محاولة لدفع السكان إلى الرحيل. وتقول الأمم المتحدة إن آلاف الهجمات سُجلت في الضفة منذ تشرين الأول 2023، وأدت إلى إصابة آلاف الفلسطينيين. كما نزح أكثر من 3200 فلسطيني هذا العام وحده نتيجة اعتداءات المستوطنين، أي بمعدل يقارب ضعف العام الماضي. وارتفع معدل إصابات الفلسطينيين في هجمات المستوطنين من إصابة واحدة كل 3 أيام عام 2020 إلى أكثر من 3 إصابات يومياً عام 2026. اللافت أن الاعتراض الإسرائيلي لم يعد هامشياً. ففي حزيران، وقّع أكثر من 200 إسرائيلي بارز رسالة تطالب الحكومة بوقف الهجمات على الفلسطينيين في الضفة. وبين الموقعين رئيسا وزراء سابقان، وأكثر من 30 جنرالاً متقاعداً، ورؤساء سابقون لأجهزة استخبارات، وحاخامات، وحائز على جائزة نوبل، وروائيون معروفون. وتحدث الموقعون في رسالتهم عن "إرهاب يهودي" و"تطهير عرقي" يجري في الضفة، متهمين حكومة بنيامين نتنياهو بأنها لا تكتفي بالفشل في وقف العنف، بل تنتهج سياسة تسمح به وتدعمه عبر مؤسسات الأمن والجيش والشرطة. وطالب هؤلاء بكشف الأموال العامة التي صُرفت على بؤر ومزارع استيطانية غير قانونية، بما يشمل الطرق والمياه والكهرباء والمركبات والأسلحة. كما اتهموا جنوداً إسرائيليين بالوقوف متفرجين خلال هجمات المستوطنين، أو حتى مرافقتهم في بعض الاعتداءات على القرى الفلسطينية. خطورة هذه الاتهامات أنها صادرة عن شخصيات كانت جزءاً من المؤسسة الأمنية نفسها. كثير من هؤلاء نفذوا أو دافعوا سابقاً عن عمليات عسكرية عنيفة ضد الفلسطينيين، لكنهم يقولون إن ما يجري الآن مختلف: عنف غير مضبوط، يستهدف المدنيين، ويهدف إلى تفريغ مساحات واسعة من الضفة تمهيداً للسيطرة عليها ومنع قيام دولة فلسطينية. وتنقل الصحيفة شهادات من قرى فلسطينية باتت محاصرة بالبؤر الاستيطانية والأسوار والرايات الإسرائيلية. في بورين، يقول مزارع فلسطيني إن المستوطنين يهاجمونه كلما حاول الوصول إلى أرضه، حتى تحولت حياته إلى مراقبة يومية من سطح منزله خوفاً من اقتحام جديد. وفي الأغوار، يقول مزارع آخر إن أرضه التي كانت مفتوحة قبل أشهر صارت اليوم أشبه بسجن، بعدما أحاطها المستوطنون بسياج ومنعوه من استخدامها. وتظهر القصة الأوسع في تجمعات بدوية اختفت أو اقتربت من الاختفاء. ففي حمامات المالح، بقيت عائلات فلسطينية لفترة قصيرة داخل مبنى قديم بعدما هرب معظم السكان من هجمات ليلية متكررة. ثم غادرت العائلات الأخيرة أيضاً بعد سلسلة اعتداءات وسرقات. لاحقاً، دُمرت المدرسة، وبقيت الكتب والأوراق والمقاعد شاهدة على مجتمع أُفرغ من سكانه. رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو كان قد وصف عنف المستوطنين سابقاً بأنه أفعال غير قانونية تصدر عن "حفنة من الشبان". لكن حجم الانتقادات، وخصوصاً من داخل المؤسسة العسكرية السابقة، بدأ يضغط عليه أكثر. وفي بيان نادر، قال إن هذه "الأعمال الإجرامية" تضر بالمستوطنين الملتزمين بالقانون وتسيء إلى مكانة إسرائيل في العالم. لكن منتقديه يرون أن المشكلة لم تعد في بيانات الإدان