ليست المشكلة دائماً في نقص المعلومات، ولا في غياب الذكاء، بل قد تكمن في قدرة الإنسان على امتلاك المعرفة ثم استخدامها لتبرير ما يؤمن به مسبقاً. من هذه المفارقة ينطلق كتاب "مملكة الهراء: كيف يحكم الغباء عالماً يظن نفسه عاقلاً؟" للكاتب الدكتور فؤاد خريّس، الذي يحمل عنواناً فرعياً هو "من الكهف إلى الخوارزمية"، ليقدّم قراءة في واحدة من أكثر الظواهر استعصاءً على الفهم: كيف يستطيع الإنسان، فرداً وجماعة، أن يقع في الخطأ، وأن يدافع عنه، وأن يحوّله أحياناً إلى قاعدة تحكم حياته ومجتمعه ومؤسساته؟ وما بعد الإهداء والمقدمة يعتذر الكاتب من القارئ لأنه يتحدث عنه. لا يتعامل الكتاب مع الغباء بوصفه نقيضاً بسيطاً للذكاء، ولا يحصره في ضعف القدرات العقلية أو محدودية التعليم. إنه يوسّع المفهوم ليشمل سوء الحكم، والانحيازات النفسية، والتفكير الجماعي، والتضليل، والقدرة على تسخير الذكاء نفسه في خدمة الأوهام. ومن هنا تأتي قيمة العمل: إنه لا يكتفي بالسخرية من أخطاء الآخرين، بل يحاول تفكيك الظروف التي تجعل الخطأ مقنعاً، وتمنحه القدرة على الاستمرار والانتشار. لا يقوم الكتاب على حبكة روائية تتطور فيها شخصيات خيالية ضمن سلسلة أحداث مترابطة، بل يبني حبكته الفكرية تدريجياً، عبر الانتقال من عقل الفرد إلى الجماعة، ومن القرارات اليومية إلى السياسة والمؤسسات، وصولاً إلى البيئة الرقمية والذكاء الاصطناعي. تبدأ الرحلة من سؤال يبدو بسيطاً: لماذا يتصرف الإنسان أحياناً بطريقة تناقض مصلحته أو تتعارض مع الحقائق المتاحة أمامه؟ ثم تتسع الدائرة لتشمل السياسي الذي يصرّ على قرار فاشل، والقائد الذي يسيء تقدير خصمه، والمدير الذي يكرر أخطاءه خوفاً من الاعتراف بها، والمستثمر الذي يواصل الخسارة لأنه أنفق الكثير، والمستخدم الرقمي الذي يصدّق ما يوافق قناعاته ويرفض ما يزعزعها. هذه الأجوبة يمكن اسقاطها على الواقع لتجيب عن أسئلة الكثير من اللبنانيين على الأقل الذي يسألون في هذه الفترة أسئلة مماثلة عن قائد مماثل أو سياسي مماثل. بهذا التدرج، ينتقل الكتاب من تشريح السلوك الفردي إلى مساءلة الأنظمة التي تسمح للأخطاء بأن تتحول إلى ممارسات عامة. فالخطأ، وفق المنطق الذي يعرضه، لا يصبح خطيراً بسبب وقوعه وحده، بل حين يُحصَّن ضد النقد، ويُعاد إنتاجه داخل جماعة أو مؤسسة، ويُقدَّم باعتباره دليلاً على الصواب بدلاً من كونه مناسبة للمراجعة. وتشكّل هذه الحركة من الفرد إلى المجتمع العمود الفقري للكتاب، فيما تمنحه الخاتمة اتجاهاً مختلفاً: بدلاً من الوعد بالقضاء على الغباء، يدعو إلى الحد من قدرته على التدمير. شخصيات الكتاب: مفكرون وأنماط بشرية لأن العمل ليس رواية، فإن شخصياته لا تُبنى عبر الحوارات والتحولات النفسية، بل تظهر من خلال أفكار الباحثين والمفكرين الذين يستند إليهم، ومن خلال نماذج بشرية تمثل سلوكيات متكررة. يحضر كارلو تشيبولا، المعروف بمحاولته تصنيف السلوك الغبي وبيان أثره في الآخرين، بوصفه مدخلاً لفهم الأضرار التي قد تنتج من أفعال لا تحقق منفعة واضحة حتى لمن يقوم بها. ويتيح هاري فرانكفورت التمييز بين الكذب والتعامل مع الكلام بلا اكتراث بالحقيقة، وهو تمييز مهم لفهم الخطاب العام حين يصبح التأثير في الجمهور أهم من التحقق من الوقائع. أما دانيال كانيمان، فيساعد في تفسير التوتر بين التفكير السريع الحدسي والتفكير البطيء التحليلي، وما يرافق ذلك من أحكام متسرعة وانحيازاً. ويضيء روبرت بروكتور جانباً آخر يتعلق بصناعة الجهل، فيما تساهم أفكار ليون فستنغر في فهم الطريقة التي يحاول بها الإنسان التوفيق بين معتقداته والوقائع التي تناقضها. إلى جانب هذه المرجعيات، يستحضر الكتاب أنماطاً من الشخصيات الاجتماعية والسياسية: المستبد، والخبير الذي يبالغ في الثقة بمعرفته، والجماعة التي تسكت عن الخطأ، والمستخدم الذي يسلّم قراره لما تعرضه الشاشة. ليست هذه الشخصيات أفراداً مكتملين بقدر ما هي نماذج تفسيرية، تكمن وظيفتها في إظهار أن الحماقة ليست حكراً على طبقة أو مهنة أو مستوى تعليمي. غير أن هذا الاتساع يطرح ملاحظة نقدية: كثرة الأسماء والمفاهيم تمنح الكتاب ثراءً معرفياً، لكنها قد تجعل بعض أجزائه أقرب إلى جولة موسوعية منها إلى حجة تتطور بإيقاع متماسك. وكان من الممكن أن تمنح أمثلة أكثر تفصيلاً، مع فصل أوضح بين الشواهد والتفسيرات، بعض الأفكار قوة إقناعية أكبر. من وهم الفرد إلى حماقة الجماعة من أبرز أفكار الكتاب أن الذكاء لا يشكّل ضمانة ضد الحماقة. فقد يمتلك الإنسان قدرة عالية على التحليل، لكنه يستخدمها لتبرير موقف اتخذه مسبقاً، أو لإنتاج حجج أكثر تعقيداً دفاعاً عن قرار خاطئ. وهنا تظهر المفارقة الأساسية: قد لا يكون الذكاء وسيلة للخروج من الوهم، بل أداة أكثر كفاءة لحمايته. وتتضح هذه المشكلة حين ينتقل الخطأ من الفرد إلى