من رواياتٍ تربط بدايات الدبكة بخبط الأقدام على أسطح البيوت الترابية القديمة، إلى ساحات القرى والمسارح والأعراس، انتقلت هذه الرقصة بين الأجيال لتصبح جزءاً من التراث والفولكلور اللبناني. ومع تطوّر الموسيقى الشعبية على أيدي فنانين كبار، تحوّلت الدبكة من رقصة جماعية إلى لوحات فنية تحمل ملامح من الهوية اللبنانية. واليوم، لا تزال تجمع اللبنانيين من مختلف الأعمار والطوائف، فيما تحاول مبادرات جديدة نقلها إلى المدارس، لتبقى حاضرة في حياة جيلٍ نشأ في عالم مختلف عن عالم أجداده. بالأمس، أطلقت جمعية "جبلنا" بالشراكة مع وزارة التربية والتعليم العالي، وبالتعاون مع وزارات الثقافة والسياحة والإعلام واللجنة الوطنية اللبنانية لليونسكو، "بطولة الدبكة الوطنية بين المدارس" للعام الدراسي 2026–2027. وتهدف المبادرة إلى الحفاظ على فنّ الدبكة الشعبية ونقله إلى الأجيال الشابة، وتعزيز حضور التراث اللبناني في البيئة المدرسية. تأتي الخطوة في وقتٍ تتجاوز فيه أهمية الدبكة خطوات الرقص وإيقاع الموسيقى، لتشمل التفاعل الجماعي والعمل المشترك. وبحسب يولا نجم، الرئيسة والمؤسسة لجمعية "جبلنا"، تحمل إعادة الدبكة إلى المدارس أهمية خاصة، لا سيما في ظلّ الظروف الصعبة التي يعيشها اللبنانيون. وتقول في حديث إلى "النهار": "أرادت الجمعية من هذه المبادرة إدخال الفرح إلى حياة الأطفال والمدارس والأهل"، مضيفةً: "لا يقتصر الهدف على تعليم التلاميذ خطوات الدبكة، بل يشمل تنمية قدراتهم على التعاون والقيادة والعمل ضمن فريق".وتوضح أنّ البطولة ستجمع المدارس الرسمية والخاصة من مختلف المحافظات، وبذلك لا تقتصر المسابقة على التنافس على لقب وطني، بل تتيح للتلاميذ من مناطق مختلفة التعرّف إلى بعضهم من خلال رقصة مشتركة. تتفاوت علاقة الشباب بالدبكة اللبنانية بين ممارستها والرغبة في تعلّمها. فسِيلينا حدّاد (20 عاما)، وجاد زبرقجي (23 عاما) يعبّران عن حبّهما لهذه الرقصة. ويقول جاد: "جدي كان يرقص على أنغام الهوّارة ويعلّمني، واليوم صرت أدبك كلما سمعت الأغنية... و"على الأول كمان!" فيما ترى جويل غندور (21 عاما) أنّ تعلّم الدبكة مهمّ، مع أنّها لا تجيد خطواتها: "أحبّ تعلّم الدبكة كثيرا وأنوي أن أتسجل في صفّ لأتقن الرقصة على أصولها". بين شباب يمارسون الدبكة وآخرين يرغبون في تعلّمها، تبرز أهمية نقلها إلى المدارس، لتبقى رقصة الأجداد حاضرة في حياة الأجيال الطالعة، لا مجرّد مشهد يتكرّر في الأعراس والمناسبات. جانب من إطلاق بطولة الدبكة الوطنية بين المدارس للعام الدراسي 2026–2027. هوية اللبنانيينتُعدّ الدبكة من الرقصات الشعبية المتجذّرة في الحياة الاجتماعية في لبنان وبلدان المشرق، وتختلف أشكالها وخطواتها باختلاف المناطق والمناسبات. وتبرز بعلبك ومنطقة البقاع خصوصا في الحفاظ على تقاليد دبكة محلية مرتبطة بالأعراس والاحتفالات الشعبية، فيما لا تزال الدبكة حاضرة في مناسبات اللبنانيين في مختلف المناطق. وترافق الدبكة أغانٍ شعبية وإيقاعات مألوفة، من بينها "دلعونا"، التي تُعدّ من أشهر الألوان الغنائية المرتبطة بهذا النوع من الرقص. وقد ساهم فنانون لبنانيون في تطوير الدبكة موسيقيا ومسرحيا، وفي نقلها من ساحات القرى إلى المسارح. وكان للفنان زكي ناصيف (أبو الفولكلور اللبناني) دور بارز في هذه المرحلة، ولا سيما من خلال مشاركته في مهرجانات بعلبك عام 1957، حيث قدّم أعمالا مثل "طلّوا حبابنا طلّوا" و"يا لالا عيني لالا"، بالتعاون مع عدد من الفنانين بينهم الأخوان رحباني. ولا تنفصل هذه الرقصة عن الذاكرة الجماعية للبنانيين، إذ تتجاوز اختلاف المناطق والعادات لتمنح المشاركين إيقاعا واحدا وحركة مشتركة. من هنا، تبرز أهمية تعليمها للأجيال الجديدة، لا بوصفها تقليدا قديما فحسب، بل ممارسة ثقافية تتجدد كلما شارك فيها جيل جديد. وفي هذا السياق، تؤكد وزيرة السياحة لورا لحود أهمية الحفاظ على الدبكة وتشجيع الشباب على ممارستها، قائلةً: "الدبكة كتير مهمة من تراثنا الوطني، هي بتجمع الناس من جميع الطوائف، وكتير مهم نشجّع الشباب يشتركوا فيها". وتشير إلى أنّها تتيح أيضا للسياح التعرّف إلى المناطق اللبنانية المختلفة، مضيفةً أنّها تتطور من جيل إلى جيل.من جهته، يربط علي صمد بين استمرارية الدبكة وممارستها اليومية، معتبرا أنّ التراث لا يبقى حيا بمجرد الاحتفاظ به، بل يحتاج إلى مشاركة الناس فيه. ويقول: "لولا تجدد هذا العنصر يوميا، ولولا ممارسة الناس للدبكة، لما كانت الرقصة عاشت وانتقلت عبر الأجيال". ويضيف أنّ البطولة ستتيح مشاركة فرق مدرسية من مختلف المحافظات، وصولا إلى اختيار فريق فائز على المستوى الوطني، مشدّدا على أنّ الدبكة جزء من منظومة ثقافية أوسع تضمّ الزجل والعادات والتقاليد والأكل واللقاءات الاجتماعية، وهي عناصر تتكامل في تشكيل الهوية الثقافي