تكشف واشنطن عن مقاربة مختلفة للشرق الأوسط تقوم على تقليص الانخراط العسكري المباشر من دون الانسحاب من المنطقة، ودفع الحلفاء إلى تحمل مسؤولية أكبر عن أمنهم، في وقت تبرز فيه ترتيبات إقليمية تجمع السعودية وتركيا وباكستان وربما مصر، وسط رسائل أميركية واضحة إلى إيران بأن باب التسوية لا يزال مفتوحًا. وبحسب تقرير نشره موقع "mako" الإسرائيلي، قال السفير الأميركي لدى تركيا والمبعوث الخاص للرئيس دونالد ترامب إلى سوريا والعراق توم باراك، خلال منتدى الأمن العالمي في الدوحة الثلاثاء، إن الولايات المتحدة "لا تنسحب من الشرق الأوسط"، لكنها تبتعد عن محاولة إدارته والسيطرة عليه. وقال باراك: "الاتفاق هو ألا نكون المالكين وألا نسيطر، بل أن نرعى وألا نغادر. نحن لا نغادر". وأوضح أن واشنطن تريد الحفاظ على شراكاتها في المنطقة بالتوازي مع تقليص انخراطها المباشر في الصراعات، معتبرًا أن هذا التحول يمثل انتقالًا إلى نهج جديد وليس تخليًا عن الالتزامات الأمنية الأميركية طويلة الأمد. وفي المقابل، شدد على أنه لم يعد من الممكن توقع أن تتولى الولايات المتحدة حل كل أزمة إقليمية أو ضمان التجارة المفتوحة وأمن طرق الملاحة مهما كانت الكلفة. وقال باراك: "الولايات المتحدة لم تعد تريد أن تكون المالكة، ولا ينبغي لها أن تكون المالكة"، مستشهدًا بالتدخلات الأميركية في العراق وأفغانستان وليبيا وسوريا، والتي قال إنها لم تنتج حلولًا دائمة. وأشار إلى 23 عملية تغيير أنظمة في الشرق الأوسط والمناطق المحيطة به قال إنها ارتبطت بتأثير أميركي، متسائلًا عما إذا كانت عقود من التدخل قد حققت النتائج المرجوة. وأضاف: "في كل مرة نحاول التدخل وتغيير الشخص أو النظام يبدو أن ذلك كان خطأ". ورأى أن على واشنطن وضع حدود أوضح لتدخلها، ومنح دول المنطقة مسؤولية أكبر في تقرير مستقبلها السياسي والأمني. وفي إطار هذا التحول، قال باراك إن حكومات المنطقة ستضطر إلى بناء ترتيبات أمنية خاصة بها بدل الاعتماد بصورة أساسية على الحماية العسكرية الأميركية. وأشار إلى محادثات تشارك فيها السعودية وتركيا وباكستان وربما مصر بوصفها نماذج لتحالفات إقليمية آخذة في التشكل يمكن أن تلعب دورًا أكبر في الحفاظ على الاستقرار. ورأى تقرير "mako" أن الحديث يدور عن نوع من التحالف المنافس للتحالف الذي يجمع إسرائيل والإمارات وقوى أخرى، وهي معادلة قال التقرير إن على إسرائيل التفكير في كيفية التعامل معها في ضوء التصريحات الأميركية الجديدة. وأكد باراك أن الولايات المتحدة ستواصل دعم شركائها، لكنه أوضح أن استعدادها لإرسال قوات أميركية إلى مواجهات برية جديدة يتراجع. وفي الملف الإيراني، قال باراك إن ترامب لا يزال منفتحًا على الدفع نحو تسوية سلمية على الرغم من التصعيد العسكري الأخير وتداعياته في الشرق الأوسط وخارجه. ودعا إلى وقف إطلاق النار وإعادة فتح مضيق هرمز واتخاذ خطوات تخفف الضائقة الاقتصادية عن الإيرانيين، مشددًا على أن أي اتفاق يتم التوصل إليه عبر المفاوضات سيتطلب تنازلات وجهدًا دبلوماسيًا مستمرًا. وحذر باراك حكومات المنطقة من الاستمرار في افتراض أن واشنطن ستتدخل لحل كل أزمة، مشيرًا إلى تصاعد الشكوك داخل الولايات المتحدة بشأن كلفة الانخراط العسكري في الشرق الأوسط. وقال: "الأميركيون يقولون: لماذا أريد أن أخسر حتى حياة أميركي واحد بسبب ما يحدث في الشرق الأوسط؟". ورغم ذلك، رفض باراك توصيف السياسة الجديدة بأنها انسحاب أميركي من المنطقة، موضحًا أن الهدف هو إعادة تعريف الدور الأميركي عبر تشجيع التعاون الإقليمي وتقليص الاعتماد على التدخل العسكري المباشر. وأقر في الوقت نفسه بأن واشنطن لا تملك خطة جاهزة للتعامل مع النظام الإقليمي المتغير، قائلًا: "هذا الانتقال معقد وصعب". وبذلك، ترسم تصريحات باراك ملامح شرق أوسط تريد فيه واشنطن البقاء لاعبًا مؤثرًا من دون أن تبقى الطرف الذي يتحمل وحده كلفة الأمن والحروب، في تحول قد يفتح الباب أمام تحالفات إقليمية جديدة ويضع حلفاء الولايات المتحدة وخصومها أمام معادلة مختلفة تمامًا عن العقود الماضية.