الدرب يُخلّف عند التخوم سؤالاً، ويعمل السؤال بكدّ على رسم الطريق. وحين يُرسم الطريق، تمضي الدروب كخشب يقطعه الحطّاب بفأسه. فالدروب، جميعها، فانية في السؤال عن الطريق. هكذا هي طرق عباس بيضون في الطرق تعود معنا: طرق وعرة تستخلص المعنى من وعورة الواقع، لا لكي تردّ الواقع إلى معنى يطمئن إليه، بل لكي تكشف ما يستعصي فيه على الفهم والمصالحة. إنها طرق الحرب حين تتجاوز كونها مسالك إلى الأمكنة، لتصبح مسالك في الحقيقة، طرقاً تعود بنا إلى ما خلّفته الحرب من خراب، وتعيدنا معها إلى سؤال العالم الذي يجعل الحرب ممكنة، وإلى الإنسان الذي يحمل آثارها حتى حين يغادر أمكنتها. والأهم مفهومياً أن الطريق عند بيضون ليس نقيض الدرب، ولا مجرد وسيلة للوصول، إنه ما يتشكّل من تعثّر الدروب نفسها. ومن هنا تنشأ الصلة بين عنوان الديوان وشعريته: الطرق تعود معنا لأن التجربة لا تنتهي عند حدود المكان الذي وقعت فيه، ولأن الشعر لا يكتفي بوصف آثار الحرب، بل يجعل تلك الآثار طريقاً إلى مساءلة الحقيقة. من هوميروس إلى الفردوسي، وصولاً إلى عباس بيضون في ديوانه الأخير "الطرق تعود معنا"، لا تتغير علاقة الشعر بالحرب على مستوى الموضوع فحسب، بل أيضاً على مستوى الحقيقة التي يستطيع الشعر أن يقولها، أو تلك التي يشارك في حجبها. فقد منحت الملحمة الحرب لغتها البطولية، وحوّلت العنف إلى مصير، والموت إلى مجد، والمعركة إلى واقعة قابلة لأن تدخل في نظام المعنى. عند هوميروس، تتجاوز الحرب ميدانها لتصبح سؤالاً عن البطولة والخلود والمصير الإنساني، فيما يبني الفردوسي، في "الشاهنامة"، عالماً تتداخل فيه الملوكية والبطولة والعدالة والمأساة. ومع ذلك، لا يخلو هذا العالم الملحمي من الحزن على ما تلتهمه البطولة من أرواح، ولا من انكشاف هشاشة المجد أمام الموت. لكن ثمة فرقاً بين أن يمنح الشعر الحرب معنى، وأن يجعل من الحرب نفسها موضوعاً للشك في المعنى. هنا يبدأ عباس بيضون من مكان آخر. ففي "الطرق تعود معنا"، لا تبدو الحرب مشروعاً للبطولة بقدر ما تبدو حقيقةً ينبغي انتزاعها من لغاتها الجاهزة، ومن الصور التي تصنعها لنفسها، ومن الروايات التي تريد أن تمنحها شرعيةً أو مجداً أو ضرورة. ليست المسألة أن الشاعر المعاصر يستبدل الأبطال بالضحايا، بل أنه يغيّر موضع الرؤية نفسه: ينقل الشعر من معاينة الحرب كما تريد أن تظهر، إلى معاينة العالم كما يظهر تحت عنفها. ولهذا لا يكتب بيضون الحرب من مركز المعركة، حيث تتوزع الأدوار بين منتصر ومهزوم، بل من هوامشها المتناثرة: من البيوت التي تفقد معناها، والشوارع التي تستقبل الناجين، والأجساد التي لا تعرف كيف تنجو من الذاكرة، ومن التفاصيل التي لا تجد مكاناً في الرواية البطولية. بهذا المعنى، يمكن قراءة الديوان على ضوء ما سمّاه ثيودور أدورنو، الفن السلبي: الفن الذي لا يصالح العالم مع صورته عن نفسه، ولا يمنح الواقع تعويضاً جمالياً عن فاجعته، بل يكشف، من داخل الشكل الفني، ما ينطوي عليه العالم من تناقض وخراب. ليست سلبية الفن هنا عجزاً عن الفعل، ولا انكفاءً عن العالم، بل امتناعاً عن تزييفه بالمصالحة أو تحويل آلامه إلى مادة للتمجيد. فالشعر لا يقول إن الحرب شرّ فحسب، إنه يكشف كيف يغدو العالم نفسه حاملاً لشروط الحرب، وكيف تتسلل هذه الشروط إلى اللغة والذاكرة والمكان، حتى يصبح العنف واقعاً لا يقتصر على لحظة إطلاق النار، بل يمتد إلى ما يبقى بعدها. في قصيدة "المعركة"، مثلاً، تتكثف هذه المفارقة في لغة الأوامر: "أرسلونا إلى حيث هناك حاجة للضجيج"، ثم "وقالوا اشبهوا المعركة". إنهم لا يذهبون إلى الحرب بقدر ما يُدفعون إلى أداء صورتها، ويُطلب منهم أن يشبهوا ما يُراد لهم أن يكونوه. وحين يأتي الأمر: "اركبوا هذا البرد، اركبوا الليل"، تنقلب البطولة إلى تجربة جسدية عارية، لا يبقى فيها من المعركة سوى البرد والليل والضجيج والأجساد الموضوعة في قلب الخطر. هنا لا يصنع الشعر أسطورةً عن المقاتل، بل يكشف الآلية التي تحوّل الإنسان إلى هيئة من هيئات الحرب، وتطلب منه أن يؤدي الدور الذي رُسم له. إن لغة الأمر، التي تصنع الإكراه داخل المعركة، تصبح في القصيدة نفسها موضع مساءلة. وفي قصيدة "شبان الصور"، يتخذ الخطر صورةً أخرى: "قالوا له نعرف أين أنت"، لكنه لا يسأل، لأنه واثق بأنهم يرونه من السماء أو من السقف. إن الرؤية هنا ليست معرفةً تنقذ الإنسان، بل مراقبة تجعل المكان مكشوفاً، والاختباء مستحيلاً، والوجود نفسه واقعاً تحت عين لا تنام. لم تعد الحرب مواجهةً بين قوتين تتقابلان في ميدان، بل اختلالاً في علاقة الإنسان بالعالم، إذ يغدو السقف، الذي يفترض أن يحمي، مصدراً محتملاً للخطر، وتتحول السماء، التي كانت أفقاً للحرية، إلى عين تلاحق الجسد. وفي "الخطر في السقف" يتواصل هذا الانقلاب في دلالة المكان: ما كان مأوى يصبح احتمالاً للموت،