كان لا بد من بعد إدخال المجلس الدستوري للتعديلات على قانون العفو العام من إعادة قراءة المادة الثانية منه رقم 70/2026، وتحفظات المجلس، والتقاطع مع قانون إصلاح وضع المصارف وإعادة تنظيمها. في بلد لا تزال فيه الودائع المصرفية من أكثر الملفات إلحاحًا في حياة اللبنانيين، لا يمكن التعامل مع أي نص قانوني يتصل بالجرائم المصرفية باعتباره شأنًا تقنيًا يخص المحاكم والمصارف وحدها. فالسؤال عن العفو عن الجرائم المرتبطة بأموال المودعين يتصل، في جوهره، بحدود المسؤولية الجزائية، وبحقوق المصرف والمودع والدولة، وبالتمييز بين إسقاط العقوبة وبين استعادة الأموال التي فُقدت أو حُوّلت أو استُخدمت خلافًا للقانون. وقد حسم قانون العفو العام رقم 70/2026 جانبًا أساسيًا من هذه المسألة، إذ استثنى صراحةً الجرائم المرتبطة بأموال المودعين والجرائم المصرفية على أنواعها، إلى جانب الجرائم المنصوص عليها في قانون النقد والتسليف وقانون مكافحة تبييض الأموال وتمويل الإرهاب. ثم جاء قرار المجلس الدستوري رقم 12 الصادر في 12 تشرين الأول 2026 ليعيد تثبيت هذا الاتجاه ضمن قراءة أشمل للاستثناءات الواردة في القانون. لكن أهمية القرار لا تعني أن حقوق المودعين أصبحت مضمونة تلقائيًا، أو أن صدور قانون العفو يتيح استرداد الودائع من دون إجراءات أخرى. فالمسؤولية الجزائية مسار، وإصلاح المصارف وإعادة تنظيمها مسار آخر، واسترداد الأموال وتحديد حقوق الدائنين مسألة ثالثة تتطلب قواعد وآليات تنفيذية وقضائية خاصة. أولًا: ماذا استثنى قانون العفو من الجرائم المصرفية؟ تتضمن المادة الثانية من قانون العفو العام مجموعة من الاستثناءات التي تتصل مباشرةً بالمال العام والقطاع المالي والمصرفي. فالبند السابع يستثني الجرائم الواقعة على المال العام. ويستثني البند الثامن جرائم التزوير وتقليد النقد وترويجه والنيل من مكانة الدولة المالية، وجرائم الإفلاس الاحتيالي، والجرائم المنصوص عليها في قانون النقد والتسليف وسائر القوانين والأنظمة المتعلقة بالمصارف. أما البند التاسع، فيتناول جرائم الإثراء غير المشروع المحددة في القانون رقم 189 الصادر في 16 تشرين الأول 2020، ضمن النطاق الذي أورده النص، بما في ذلك الجرائم المتعلقة باختلاس الأموال العمومية أو إساءة الأمانة بها أو سرقتها، والأموال العائدة إلى المؤسسات المالية والمصرفية، والتهرب الضريبي. ويأتي البند العاشر ليستثني الجرائم المنصوص عليها في قانون مكافحة تبييض الأموال وتمويل الإرهاب رقم 44/2015، والجرائم المخالفة لقانون النقد والتسليف، أيًا كان مرتكبوها، ولا سيما الجرائم المرتبطة بأموال المودعين والجرائم المتعلقة بالجرائم المصرفية على أنواعها. وتكمن أهمية هذه الصياغة في أنها لا تربط الاستثناء بصفة مرتكب الجريمة وحدها. فالنص لا يقول إن المسؤولية تقتصر على صاحب منصب إداري في مصرف، أو على عضو مجلس إدارة، أو على موظف في مؤسسة مالية. بل يتناول الجرائم نفسها، ويؤكد في البند العاشر أن الاستثناء يسري أيًا كان مرتكبوها. وهذا يعني أن تطبيق القانون يتطلب تحديد الفعل الجرمي المنسوب إلى كل شخص، والنص القانوني الذي يجرّمه، ومدى توافر عناصره. فلا يكفي أن يكون الشخص مصرفيًا أو مساهمًا أو موظفًا أو مودعًا لإثبات مسؤوليته، كما لا يجوز استبعاد المسؤولية لمجرد أن الفعل ارتُكب في إطار علاقة مصرفية أو عملية مالية. الاستثناء هنا يتعلق بالجرائم المحددة قانونًا، لا بمجرد الانتماء إلى القطاع المصرفي. ثانيًا: لماذا يكتسب البند العاشر أهمية خاصة؟ لم يكتفِ البند العاشر باستثناء جرائم تبييض الأموال وتمويل الإرهاب أو الجرائم المخالفة لقانون النقد والتسليف، بل أشار صراحةً إلى الجرائم المرتبطة بأموال المودعين والجرائم المصرفية على أنواعها. وتكتسب هذه العبارة أهميتها من اتساع الملفات المصرفية وتنوع الأفعال التي قد تندرج تحتها. فالمخالفات المصرفية ليست فئة واحدة، كما أن النزاع بين مودع ومصرف لا يتحول تلقائيًا إلى جريمة جزائية. فقد يتعلق النزاع بتنفيذ عقد أو تحديد رصيد أو ترتيب أولوية بين الدائنين، وقد يتصل، في حالات أخرى، بفعل يجرّمه قانون النقد والتسليف أو قانون العقوبات أو تشريعات مكافحة تبييض الأموال. ومن هنا، يجب تجنب اتجاهين متعاكسين في قراءة النص. الاتجاه الأول يفترض أن كل نزاع مصرفي هو جريمة، وهو استنتاج لا يسنده القانون. فتعثر المصرف أو عجزه عن الوفاء بالتزاماته لا يكفي، وحده، لإثبات الاحتيال أو الاختلاس أو إساءة الأمانة أو أي جريمة أخرى. إذ لا بد من تحديد الفعل وعناصره والمسؤولية عنه وفق الأصول. أما الاتجاه الثاني، فيفترض أن الأفعال التي تقع داخل المصارف أو ترتبط بحسابات المودعين لا يمكن أن تكون جرائم إلا إذا توافرت ظروف استثنائية. وهذا أيضًا غير صحيح؛ فالقانون يستثني صر