من الصعب والدقيق تقديم إحاطة كاملةِ برواية الوجه الأبشع لسلطة الهيمنة السورية على لبنان من خلال سيرة غازي كنعان، خاصة عندما تأتي من خلال كتابة صحافي متمرس ومحترف كنقولا ناصيف، بأسلوبه المعلوماتي الدقيق المدعم بالوثائق وبأكثر من تسعين مقابلة، وباللغة المثيرة التي تجعل كتبه أشبه بفيلم سينما بالغ التشويق. لكن حجم التمزقات في المجتمع اللبناني التي صنعتها سكاكين كنعان ومن نصّبه حاكماً مطلقاً للبنان، تستحق المساهمة في جهد لا يقتصر على قراءة واحدة لما أكّده ناصيف أنه "جزء من سيرة سوريا في لبنان كما سيرة لبنان في سوريا". بالأحرى سيرة لحقبة "توخّت تحقير نظام وتدمير هوية وطن وتفكيك تنوعه". هنا، تسليطٌ – انتقائي- للضوء على محطات مفصلية ومجهولة من الرأي العام اللبناني، ولو أنه تلمّس فطرياً بعض نذائرها. لا يشكل الكتاب الفضيحة الأولى في خضوع الطبقة السياسية اللبنانية للنظام السوري البعثي. سبق وكشفَ النائب السابق لرئيس مجلس النواب، وصديق كنعان إيلي الفرزلي عن جانب كبير من هذه الفضيحة في كتابه. بالأحرى كتاب ناصيف هو تتويج للفضائح التي لا تنتهي، والتي نشات أساساً من مساهمة الطبقة اللبنانية الخاضعة لـ"أسطورة" غازي كنعان. من هنا تبدأ ما أصرُّ على توصيفه بـ"لعبة الروليت" السورية – اللبنانية التي نشأت من رحم الهيمنة التي صاغها نظام الأسد الأب ولاحقاً الابن، وتفجّرت في شكل دموي وكان غازي كنعان عنوانها الأبرز، في العام نفسه الذي انسحب فيه الجيش السوري من لبنان. فناصيف يفصّل لا رواية "اغتيال – انتحار" غازي كنعان فحسب، بل المسار في إمساك نظام بشار الأسد ما اعتُبر أنه انخراط من كنعان في انقلاب يؤدي إلى الإمساك بالسلطة في دمشق. مراقبة وتعقب ومداهمات وحديث عن الرشاوى والأموال. المشهد الأكثر دراماتيكية في كتاب – "فيلم" ناصيف التشويقي، ما سرى سابقاً لدى أوساط لبنانية من استدعاء كنعان إلى مكتب بشار الذي أبلغه وقوفاً بوجوب "التصرف"، بعدما دفعَ إليه بكمٍّ من الملفات أو أسمعه بالصوت شرائط تسجيل ل"تآمر" كنعان" عليه. جوهر إسدال الستارة بالطريقة العنيفة المعتادة، ما تصور للنظام أنه تهيئة لبديل علوي "قادر على استقطاب الجيش والطائفة العلوية"، بعد اجتياح العراق والتلويح الأميركي بالإنقضاض على نظام دمشق. لكن ما يضيفه ناصيف ليس مجرد معلومات عن الإغتيال والملابسات السياسية التي أوصلت إلى هذه النهاية. بل شهادات، وإشارات، إلى بدء التغيّر في التعاطي مع الطبقة اللبنانية – السورية مع صعود بشار الأسد، بل وباسل الأسد قبل مصرعه في حادث السيارة. حاول باسل إقناع والده بإبعاد غازي "المتغطرِس" إلى سوريا، لكن كلا السلوكين من الأخوين كان مختلفاً مع ما انتهجه حافظ الأب، الذي أوكلَ إلى الثلاثي حكمت الشهابي – عبد الحليم خدام – غازي كنعان إدارة ما وصِف بـ"الملف اللبناني". مفارقات العلاقة السورية مع مسيحيي لبنان تحضر في الكتاب. كشف ناصيف عن تصريحات واضحة لكنعان بضرورة بناء علاقة وثيقة بين المسيحيين والعلويين. عدا عن أن هذا المسار كان صعباً في التفكير المسيحي اللبناني الذي يقارب المسألة من زاوية محورية لبنان – الوطن وتعلقه بالحريات المسحوقة تحت بطش السلطوية السورية، فإن سلوك كنعان وتصريحاته أظهرت في المقابل احتقاراً دفيناً للمسيحيين. الجواب بحسب ناصيف يكمُن في شعور بالمهانة والذل لما ترسّخ في وعي الضابط الشاب من عمل النساء والرجال العلويين، في قرى شمال لبنان المسيحية وطرابلس. في الكتاب مشهد جديد للإعتقالات مع الضباط الموالين للعماد ميشال عون. عدا الضباط الكبار الذين سيقوا إلى دمشق بدءاً من 13 تشرين، حقق كنعان بنفسه مع ضباط ميدانيين أصغر رتبة اشتهروا في ساحل المتن الشمالي، هم شامل روكز وأندريه رحال وجورج خميس. على المقلب الآخر من القوى العسكرية المناوئة لسوريا، وفي تشريح جديد للعلاقة التي طلبها قائد القوات اللبنانية سمير جعجع مع غازي كنعان، تفصيلات جديدة، بدءاً من الحرب بين الجيش اللبناني بقيادة العماد ميشال عون و"القوات"، ومن خلال الرئيس الياس الهراوي، وعبر نادر سكر الذي كان من بين أربعة شخصيات لبنانية تجرأت على حضور مأتم كنعان في مسقط رأسه بحمّرا. الجديد في هذه الرواية، تداعيات وصول العلاقة بين جعجع وسوريا إلى الحائط المسدود، بعد تلمُس جعجع أن أقصى ما سيحصل عليه في نظام الطائف الذي انخرط فيه- آملاً في الإنقلاب عليه لاحقاً كما يتحدث الكتاب بناء على تسجيلات لقائه ضباط القوات في الكازينو- هو مماثلٍ لحجم حلفاء سوريا المسيحيين، كالياس حبيقة وميشال المر وغيرهما. في هذه التداعيات، دخول مدير المخابرات السابق ميشال رحباني، كـ"لاعب" مدافع عن جعجع في مسيرة الإنقضاض السوري –اللبناني الأمني عليه. فمن خلال "ضرب" رحباني الشاهد الرئيسي المثير للجدل في ملف تفجير كنيسة سيدة النجاة، جريس الخوري، بـ"