عند الحديث عن إسرائيل، غالباً ما ينصرف النقاش إلى التوسع والاستيطان، والعقائد الأمنية، والتفوق العسكري، وحجم القدرات التكنولوجية والاستخبارية. لكن مراقبة ما يجري داخل المجتمع الإسرائيلي خلال السنوات الأخيرة، ولا سيما منذ السابع من تشرين الأول 2023، يطرح سؤالاً أكثر عمقاً: هل نحن فقط أمام تعديل في العقيدة الأمنية الإسرائيلية، أم أمام تحوّل أعمق يمس الهوية ككل؟ إن مراقبة التحولات الجارية في إسرائيل خلال السنوات الماضية، ومراقبة السباق الانتخابي الإسرائيلي وخطابات المرشحين واستطلاعات الرأي، تشير إلى أن تلك التحولات في المجتمع ليست امراً يمكن ردّه فقط الى صدمة 7 اكتوبر وضرورة تغيير العقائد الأمنية لتواكب التهديدات والتحولات في البيئة الاقليمية، بل قد تعكس تحوّلاً هوياتياً عميقاً، يشير الى أنها انتقلت تدريجياً من نموذج "المجتمع العسكرتاري" إلى نموذج "المجتمع المحارب". بين المجتمع العسكرتاري والمجتمع المحارب في المجتمع العسكرتاري، يتمتع الجيش بمكانة استثنائية داخل النظام السياسي والاجتماعي. لا يقتصر دور الجيش في هذا النموذج على الدفاع عن الأرض من التهديدات الخارجية، بل يصبح أحد أهم الفاعلين في السياسة والاقتصاد والثقافة، وتصبح الخدمة العسكرية إحدى أهم قنوات الحراك الاجتماعي وصناعة النخب. كما تمتد تأثيرات المؤسسة العسكرية إلى الاقتصاد والتعليم والثقافة والذاكرة الجماعية. شكّلت إسرائيل نموذجاً من هذا الوصف منذ تأسيسها، حيث وُصفت لعقود طويلة بأنها نموذج للمجتمع العسكرتاري، نظراً إلى المكانة الاستثنائية التي تشغلها المؤسسة العسكرية في بناء المؤسسات ودمج موجات الهجرة المتعاقبة وفي إنتاج جزء كبير من القيادات السياسية. على المقلب الآخر، يمثّل المجتمع المحارب ظاهرة متقدمة نوعياً عن المجتمع العسكرتاري. في هذا المجتمع، لا تكون المؤسسة العسكرية هي العنصر المركزي فحسب كما هو الحال في المجتمع العسكرتاري، بل يصبح الصراع نفسه أساساً لتعريف الجماعة السياسية. وفيه، لا تعود الحرب وسيلة لتحقيق غاية سياسية، بل تتحول إلى إطار ناظم للهوية الوطنية ولتصور المجتمع لنفسه ولمحيطه. وهنا تنتقل الدولة من استخدام الحرب كأداة إلى إعادة تعريف ذاتها من خلالها. يقدم شارلز تيلي في أعماله حول نشوء الدولة الحديثة (1975) تصوراً مفاده أن "الحرب صنعت الدولة والدولة صنعت الحرب". غير أن الحروب التي تحدث عنها كانت وسيلة لبناء المؤسسات السياسية وترسيخ السلطة المركزية، ما أدى في النهاية إلى نشوء الدولة الحديثة بصيغتها المعروفة. أما في نموذج المجتمع المحارب، فإن العلاقة تنقلب: فالحرب لا تصنع الدولة فقط، بل تعيد إنتاج هويتها باستمرار وتصبح شرطاً لاستمرار السردية المؤسسة للدولة نفسها. حالياً، تبدو إسرائيل أمام مفترق تاريخي يتجاوز حدود تغيير العقائد العسكرية والأمنية ليطال الهوية نفسها. وتبرز مجموعة من المؤشرات التي قد تدل على انتقال تدريجي نحو نموذج المجتمع المحارب، لعل أبرزها: - الصعود المتواصل للتيار الديني القومي داخل بنية الدولة والمجتمع، وما يرافقه من إعادة تفسير للصراع باعتباره صراعاً وجودياً توراتياً. - تصاعد الخطابات التي تتحدث عن حرب طويلة ومفتوحة، وانتقال النقاش من البحث عن إنهاء الصراع إلى البحث عن كيفية إدارته بصورة دائمة. - التوسع المستمر لدور المؤسسة العسكرية وقوات الاحتياط داخل الحياة العامة، حيث أصبحت العلاقة مع الأمن والصراع جزءاً من التجربة اليومية للمجتمع لا مجرد وظيفة مؤسساتية محصورة بالجيش. - التحولات المستمرة في التعليم والذاكرة الجماعية وصورة «العدو» وموقع الخدمة العسكرية في بناء المكانة الاجتماعية، وهي كلها عناصر ترتبط بالهوية بقدر ما ترتبط بالأمن. - غياب خطاب التسوية والسلام وطغيان خطابات الحرب والأمن على خطابات المرشحين إلى الانتخابات. - استطلاعات الرأي المختلفة التي تشير إلى أن غالبية المجتمع الإسرائيلي يؤيد الحرب بالرغم من أنه يعتبر أنها قد لا تؤدي إلى انتصار أو استقرار أمني. قد يُقال إن إسرائيل كانت دائماً دولة تعيش في بيئة صراعية، وإن الحروب رافقت تاريخها منذ التأسيس، فما الجديد؟ الجديد لا يكمن في وجود الصراع نفسه، بل في كيفية فهمه ووظيفته لدى المجتمع والنخب الإسرائيلية. طوال عقود، زعمت إسرائيل أنها "دولة تخوض الحروب لكي تعيش حياة طبيعية". كانت الحرب، وفق السردية الصهيونية التقليدية، ضرورة "مؤقتة" من أجل بناء الاقتصاد، واستيعاب المهاجرين، وتطوير العلم والتكنولوجيا، وتحويل اليهود إلى "شعب طبيعي" يمتلك دولة طبيعية. وعلى هذا الأساس، كانت الحروب قصيرة وخاطفة، ودائماً ما يتم نقلها إلى ديار العدو، ليتاح للشعب اليهودي العيش والإنتاج والازدهار بعيداً عن الحروب المكلفة. حالياً، لم تعد الحرب في إسرائيل تُطرح فقط باعتبارها وسيلة، بل باعتبارها شر